ارشيف من :ترجمات ودراسات
غزة تواجه معركة سياسية أعنف من المعركة العسكرية
لم يلغ توغل اسرائيل داخل قطاع غزة، المحدود بعمق كيلومترين، تخبط تل ابيب وارتباكها حيال الصمود الفلسطيني وعدم تمكنها من فرض املاءاتها عليهم. العملية البرية التي توعد فيها قادة الاحتلال الفلسطينيين منذ اليوم الاول للعدوان، لم تبصر النور بعد، وربما لن تبصر النور بالمطلق، وما حدث الى الان، من دخول بري محدود، غير قادر على ان يترجم سياسيا. ما رفضته الفصائل الفلسطينية من وقف لاطلاق النار لا يلبي شروطها قبل العملية البرية المحدودة، ترفضه بعدها.
مواقف وتصريحات قادة العدو، اضافة الى اداء الاعلام العبري، في اللحظة التي اعلن فيها عن "العملية البرية"، اتسم بسقوف عالية جدا وكان اوسع بكثير من العملية نفسها. في الوقت الذي اعلنت فيه تل ابيب ان التوغل بدأ، وانها ستواصل التوغل حتى تحقيق الاهداف، سمحت لوحداتها العسكرية فقط، بالتحرك ضمن نطاق جغرافي ضيق جدا ولصيق بالشريط الشائك، بعمق كيلومترين، والذي كان في الاساس ضمن سيطرتها النارية. وبحسب تسريبات المراسلين العسكريين الميدانيين، المرافقين للوحدات البرية "الغازية"، شددت الاوامر العسكرية على ضرورة الابتعاد عن الاحتكاك المباشر بالمقاومين، او الاقتراب من المناطق المأهولة فلسطينيا. بدت العملية استعراضية اكثر من كونها عملياتية عسكرية فعلية، وفشلت في تحقيق الهدف المناط بها: اخافة الفصائل ودفعها للاستسلام السياسي.
خشية اسرائيلية
ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني انه من ناحية عملية، لم يتغير شيء ميدانيا. اظهر الاحتلال، بصورة اوضح من ذي قبل، انه يخشى الدخول البري الفعلي الى قطاع غزة، رغم الحملة الاعلامية الواسعة التي رافقت قرار الدخول الخجول. وهو ما دفع وزير الحرب، موشيه يعلون، كي يؤكد بان القرارات التي تتخذها قيادة الجيش تأتي من منطلق التروي وادراك المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقها، ليخلص الى النتيجة التي طالما رددها طوال ايام العدوان: "على الشعب في اسرائيل ان يتحلى بالصبر ورباطة الجأش، الى حين استكمال العملية العسكرية في غزة".
قبل شهرين، وفي 21/05/2014، القى رئيس شعبة العمليات في الجيش الاسرائيلي، اللواء يؤاف هار ايفن، كلمة في ندوة نظمها مركز دراسات الامن القومي في تل ابيب، تحت عنوان "مؤتمر النار". الضابط الاركاني الاسرائيلي حدد بصورة قاطعة في كلمته، انه لا يمكن كسب اي حرب بدون وجود امكانية للمناورات الارضية. وبعد اقل من شهرين على هذا التأكيد النظري، جاء التطبيق العملي في غزة. فمع امتناع او ارتداع، بتعبير ادق، عن الدخول البري الى القطاع، رغم التوغل الخجول الحالي، فان النتيجة بحسب المعادلة التي شدد عليها الضابط: تل ابيب لا تكسب الحرب.
يمكن لاسرائيل ان تفعل ما تشاء بالمناورة النارية عن بعد، وبواسطة سلاح الجو. يمكن لها ان تؤلم الفلسطينيين في القطاع، وان تدمر وتقتل، لكن لا يمكنها ان تسحب منهم تفاهما على وقف لاطلاق النار، ينص فعليا على الاستسلام النهائي. هذا الاستسلام يتطلب منها اثمانا باهظة، ويأتي فقط بعد نجاح العملية البرية الحقيقية، على فرض نجاحها، والتي ما زالت تبتعد عنها وتخشاها.
وفي موازاة المراوحة الميدانية، رغم "الحيلة البرية" الاسرائيلية، يوجد في المعالجة السياسية والبحث عن مخارج وتفاهمات، جملة من العوائق، تحول دونها. وهذه العوائق مبنية على اسباب موضوعية اسرائيلية داخلية، وايضا خارجية، وترتبط تحديدا بالوسيط ولعبة الوساطة التي لا تشرك الفصائل الفلسطينية فيها. الامر الذي يظهر بأن الحرب السياسية على التفاهمات وعلى وقف اطلاق النار، اكثر تعقيدا من الحرب الميدانية نفسها، التي تعاني من مراوحة بلا مخارج.
وإحدى اهم العقبات واكثرها حضورا وتأثيرا على التفاهم المفترض ان يكون، بحسب موقف وموقع الجانبين ميدانيا، قد ابصر النور منذ ايام، هي ان شروط الوسيط اشد من شروط العدو. فالوسيط، الذي قبلت تل ابيب بوساطته، وربما طلبته وحثت عليه ايضا، والتشاور والتنسيق المسبق بينهما، ومن ثم اقتراح وقف اطلاق النار، من دون اشراك الفصائل الفلسطينية فيه، ادى الى ان يولد الاتفاق ميتا.
اقتراح الوساطة بحلته الثانية، جاء بمضمون لا يختلف عن الاقتراح الاول، لكن بدلا من ان يتحدث عن الفصائل الفلسطينية بضمير الغائب، عرض عليها الاقتراح وجها لوجه.

العدوان الاسرائيلي على غزة
وعلى ذمة ما تكشف عنه صحيفة "اسرائيل اليوم"، المقربة من رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، والتي توصف اسرائيليا بانها ناطقة باسمه، يوجد خلاف في المقاربة بين القاهرة وتل ابيب، حيال واقع قطاع غزة، وما يجب ان تؤول اليه الامور، الامر الذي ادى الى المقاربة غير الواعية وغير المسؤولية للاقتراح المصري وللطريقة التي طرح به ابتداءً، ومن ثم لاحقا. وبحسب الصحيفة فان الادارة المصرية الجديدة لا تطمح فقط الى اذلال حماس، بل ايضا يتوقعون من اسرائيل ان تدمر حماس وحكمها، وان يتضمن اتفاق وقف اطلاق النار دخولا لعناصر السلطة الفلسطينية في رام الله، بأمل ان تراكم فتح قوتها في القطاع ومن ثم السيطرة عليه. في مقابل هذه النظرة، لا ترى تل ابيب ان الامور قد تسير كما هو مأمول به، اذ ان نجاح مخطط كهذا يعتريه الشك، وبالتالي تبحث عن مخرج اخر.
ايضا بحسب الصحيفة، فان الكثير من المسائل والعوائق لا ترتبط بتل ابيب، فنقل الاموال الى القطاع، او فتح المعابر، او تنقل الاشخاص والبضائع، هي شأن مصري ـ غزّي، اما ما طرحته حماس في القاهرة قبيل الاقتراح الثاني لوقف اطلاق النار الذي لم يعلن رسميا، اي العودة الى تفاهمات عملية عمود السحاب، فطرح لا تواجهه اسرائيل بأي معارضة، سوى بالشكل الذي سيخرج به، وعدد اخر من الشروط التي يمكن ايجاد مخارج لها، شكلية ايضا.
الى اين تسير المسائل؟ اذا صح ما كشفت عنه "اسرائيل اليوم"، فالسؤال قد لا يكون متعلقا فقط بالمتحاربين. لكن على اي حال، ان تبقى تل ابيب مصرة على خوض حربها، بعد ان لامست المحظور ولم يعد في جعبتها سوى الخيار البري الفعلي، فمسألة قد تدفعها للتدخل واستجداء حل لدى الوسيط المصري لتلبية مطالب الفصائل الفلسطينية، او اهمها، بما يمكنهم من قبول وقف اطلاق النار.
ما يمكن قوله في هذه المرحلة من العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، ان جيش الاحتلال يعاني من مراوحة ميدانية لا تفضي ولا تنجح في املاء الشروط على الفصائل الفلسطينية. آخر الابداعات هو التخويف بالدخول البري، ووضع اصبع قدم جندي في القطاع، للايحاء بان الغزو بات وشيكا. اما من ناحية سياسية، فالامر اكثر تعقيدا، لم يعد المتحاربان وحيدين، ودخل الوسيط في المعركة، وللجهات الثلاث شروط مختلفة بلا توافق فيما بينها، مع اجندات ومشاريع ومصالح مختلفة وربما ايضا متضاربة. هي معضلة لم تبرز في مواجهات سابقة.. مع ذلك، الحل في اخر المطاف، مناط فقط بصبر الفلسطينيين على تحمل الالام، وإن استطاعوا تجاوز هذه المرحلة وآلامها، فلا شك بأنهم سيحققون اهدافهم.
مواقف وتصريحات قادة العدو، اضافة الى اداء الاعلام العبري، في اللحظة التي اعلن فيها عن "العملية البرية"، اتسم بسقوف عالية جدا وكان اوسع بكثير من العملية نفسها. في الوقت الذي اعلنت فيه تل ابيب ان التوغل بدأ، وانها ستواصل التوغل حتى تحقيق الاهداف، سمحت لوحداتها العسكرية فقط، بالتحرك ضمن نطاق جغرافي ضيق جدا ولصيق بالشريط الشائك، بعمق كيلومترين، والذي كان في الاساس ضمن سيطرتها النارية. وبحسب تسريبات المراسلين العسكريين الميدانيين، المرافقين للوحدات البرية "الغازية"، شددت الاوامر العسكرية على ضرورة الابتعاد عن الاحتكاك المباشر بالمقاومين، او الاقتراب من المناطق المأهولة فلسطينيا. بدت العملية استعراضية اكثر من كونها عملياتية عسكرية فعلية، وفشلت في تحقيق الهدف المناط بها: اخافة الفصائل ودفعها للاستسلام السياسي.
خشية اسرائيلية
ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني انه من ناحية عملية، لم يتغير شيء ميدانيا. اظهر الاحتلال، بصورة اوضح من ذي قبل، انه يخشى الدخول البري الفعلي الى قطاع غزة، رغم الحملة الاعلامية الواسعة التي رافقت قرار الدخول الخجول. وهو ما دفع وزير الحرب، موشيه يعلون، كي يؤكد بان القرارات التي تتخذها قيادة الجيش تأتي من منطلق التروي وادراك المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقها، ليخلص الى النتيجة التي طالما رددها طوال ايام العدوان: "على الشعب في اسرائيل ان يتحلى بالصبر ورباطة الجأش، الى حين استكمال العملية العسكرية في غزة".
قبل شهرين، وفي 21/05/2014، القى رئيس شعبة العمليات في الجيش الاسرائيلي، اللواء يؤاف هار ايفن، كلمة في ندوة نظمها مركز دراسات الامن القومي في تل ابيب، تحت عنوان "مؤتمر النار". الضابط الاركاني الاسرائيلي حدد بصورة قاطعة في كلمته، انه لا يمكن كسب اي حرب بدون وجود امكانية للمناورات الارضية. وبعد اقل من شهرين على هذا التأكيد النظري، جاء التطبيق العملي في غزة. فمع امتناع او ارتداع، بتعبير ادق، عن الدخول البري الى القطاع، رغم التوغل الخجول الحالي، فان النتيجة بحسب المعادلة التي شدد عليها الضابط: تل ابيب لا تكسب الحرب.
يمكن لاسرائيل ان تفعل ما تشاء بالمناورة النارية عن بعد، وبواسطة سلاح الجو. يمكن لها ان تؤلم الفلسطينيين في القطاع، وان تدمر وتقتل، لكن لا يمكنها ان تسحب منهم تفاهما على وقف لاطلاق النار، ينص فعليا على الاستسلام النهائي. هذا الاستسلام يتطلب منها اثمانا باهظة، ويأتي فقط بعد نجاح العملية البرية الحقيقية، على فرض نجاحها، والتي ما زالت تبتعد عنها وتخشاها.
وفي موازاة المراوحة الميدانية، رغم "الحيلة البرية" الاسرائيلية، يوجد في المعالجة السياسية والبحث عن مخارج وتفاهمات، جملة من العوائق، تحول دونها. وهذه العوائق مبنية على اسباب موضوعية اسرائيلية داخلية، وايضا خارجية، وترتبط تحديدا بالوسيط ولعبة الوساطة التي لا تشرك الفصائل الفلسطينية فيها. الامر الذي يظهر بأن الحرب السياسية على التفاهمات وعلى وقف اطلاق النار، اكثر تعقيدا من الحرب الميدانية نفسها، التي تعاني من مراوحة بلا مخارج.
وإحدى اهم العقبات واكثرها حضورا وتأثيرا على التفاهم المفترض ان يكون، بحسب موقف وموقع الجانبين ميدانيا، قد ابصر النور منذ ايام، هي ان شروط الوسيط اشد من شروط العدو. فالوسيط، الذي قبلت تل ابيب بوساطته، وربما طلبته وحثت عليه ايضا، والتشاور والتنسيق المسبق بينهما، ومن ثم اقتراح وقف اطلاق النار، من دون اشراك الفصائل الفلسطينية فيه، ادى الى ان يولد الاتفاق ميتا.
اقتراح الوساطة بحلته الثانية، جاء بمضمون لا يختلف عن الاقتراح الاول، لكن بدلا من ان يتحدث عن الفصائل الفلسطينية بضمير الغائب، عرض عليها الاقتراح وجها لوجه.

العدوان الاسرائيلي على غزة
وعلى ذمة ما تكشف عنه صحيفة "اسرائيل اليوم"، المقربة من رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، والتي توصف اسرائيليا بانها ناطقة باسمه، يوجد خلاف في المقاربة بين القاهرة وتل ابيب، حيال واقع قطاع غزة، وما يجب ان تؤول اليه الامور، الامر الذي ادى الى المقاربة غير الواعية وغير المسؤولية للاقتراح المصري وللطريقة التي طرح به ابتداءً، ومن ثم لاحقا. وبحسب الصحيفة فان الادارة المصرية الجديدة لا تطمح فقط الى اذلال حماس، بل ايضا يتوقعون من اسرائيل ان تدمر حماس وحكمها، وان يتضمن اتفاق وقف اطلاق النار دخولا لعناصر السلطة الفلسطينية في رام الله، بأمل ان تراكم فتح قوتها في القطاع ومن ثم السيطرة عليه. في مقابل هذه النظرة، لا ترى تل ابيب ان الامور قد تسير كما هو مأمول به، اذ ان نجاح مخطط كهذا يعتريه الشك، وبالتالي تبحث عن مخرج اخر.
ايضا بحسب الصحيفة، فان الكثير من المسائل والعوائق لا ترتبط بتل ابيب، فنقل الاموال الى القطاع، او فتح المعابر، او تنقل الاشخاص والبضائع، هي شأن مصري ـ غزّي، اما ما طرحته حماس في القاهرة قبيل الاقتراح الثاني لوقف اطلاق النار الذي لم يعلن رسميا، اي العودة الى تفاهمات عملية عمود السحاب، فطرح لا تواجهه اسرائيل بأي معارضة، سوى بالشكل الذي سيخرج به، وعدد اخر من الشروط التي يمكن ايجاد مخارج لها، شكلية ايضا.
الى اين تسير المسائل؟ اذا صح ما كشفت عنه "اسرائيل اليوم"، فالسؤال قد لا يكون متعلقا فقط بالمتحاربين. لكن على اي حال، ان تبقى تل ابيب مصرة على خوض حربها، بعد ان لامست المحظور ولم يعد في جعبتها سوى الخيار البري الفعلي، فمسألة قد تدفعها للتدخل واستجداء حل لدى الوسيط المصري لتلبية مطالب الفصائل الفلسطينية، او اهمها، بما يمكنهم من قبول وقف اطلاق النار.
ما يمكن قوله في هذه المرحلة من العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، ان جيش الاحتلال يعاني من مراوحة ميدانية لا تفضي ولا تنجح في املاء الشروط على الفصائل الفلسطينية. آخر الابداعات هو التخويف بالدخول البري، ووضع اصبع قدم جندي في القطاع، للايحاء بان الغزو بات وشيكا. اما من ناحية سياسية، فالامر اكثر تعقيدا، لم يعد المتحاربان وحيدين، ودخل الوسيط في المعركة، وللجهات الثلاث شروط مختلفة بلا توافق فيما بينها، مع اجندات ومشاريع ومصالح مختلفة وربما ايضا متضاربة. هي معضلة لم تبرز في مواجهات سابقة.. مع ذلك، الحل في اخر المطاف، مناط فقط بصبر الفلسطينيين على تحمل الالام، وإن استطاعوا تجاوز هذه المرحلة وآلامها، فلا شك بأنهم سيحققون اهدافهم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018