الكاتب : Bill Van
Auken
عن موقع : mondialisation.ca
1 تموز / يوليو 2014
"الولايات المتحدة الأميركية غير مسؤولة عما جرى في ليبيا وعما يجري اليوم في العراق". هذا ما صرح به وزير الخارجية الأميركي خلال مؤتمر صحافي عقده في القاهرة أثناء جولته الأخيرة في الشرق الأوسط.
وفي الوقت الذي كان كيري يدلي فيه بتصريحه هذا، كانت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وما يقال بأنه انتفاضة سنية يحكمان قبضتهما على شمال وغرب العراق بما في ذلك على الحدود مع سوريا والأردن. أكثر من مليون عراقي نزحوا بفعل المعارك، وقتل الألوف في هذا الصدام الطائفي المتزايد الخطورة.
أما ليبيا، فإنها في حالة انهيار كامل في ظل الصراعات المتواصلة بين الميليشيات المتنافسة، والحكومة غير الموجودة إلا على الورق، وتضاؤل الإنتاج النفطي بنسبة لا تقل عن 80 بالمئة، واضطرار أكثر من مليون ليبي إلى النزوح هرباً من أعمال العنف. وهنالك الألوف من السجناء المحتجزين في سجون تديرها جماعات مسلحة تمارس التعذيب بأشكال منهجية.
وبالعودة إلى تصريح جون كيري، فإن هذا التصريح لم يفعل، منذ تحول الوضع في العراق إلى انهيار كامل، غير تحويل المعزوفة التي ترددها النخبة السياسية الأميركية ووسائل الإعلام والقائلة إن "الولايات المتحدة غير مسؤولة" ... غير تحويل تلك المعزوفة إلى موقف رسمي.
وقد جاء تعليق نيكولا كريستوف، المحلل في صحيفة نيويورك تايمز، معبراً بشكل واضح عن هذا الموقف. فهذا الامبريالي "المدافع عن حقوق الإنسان" والذي كان معارضاً بلا هوادة للغزو الأميركي للعراق، عام 2003، يكتب اليوم أن "الانهيار في العراق ليس سببه الرئيس أوباما ولا الحزب الجمهوري [...]. سببه بشكل أساسي هو رئيس الوزراء العراقي نوري كمال المالكي".

الارهاب
وهكذا، يتحول المالكي الذي وصل إلى الحكم في ظل الاحتلال الأميركي إلى كبش محرقة. فيوم الأحد الماضي، كتب توماس فريدمان، محلل الشؤون الخارجية في صحيفة تايمز، أن المالكي هو "مشعل الحرائق الذي ترك الفوضى عامداً متعمداً تنتشر في البلاد في اللحظة التي انسحب فيها الأميركيون منها". وفريدمان نفسه هو الذي سبق له أن كتب مفتخراً، عام 2003، عن القوات الأميركية وهي تفتش العراق بيتاً بيتاً، وعن العراقيين الذين ينبغي لهم، بحسب نصيحته، أن يتعاملوا إيجابياً مع الوضع الجديد، قبل أن يؤكد أن "لا مشكلة في شن حرب من أجل النفط".
إن مجرمي الحرب النازيين الذين حوكموا في نورمبرغ، من هيرمان غورينغ إلى أصغر مجرم في السلسلة، هم من يعودون إلى الذاكرة بقوة وهم يقفون الواحد بعد الآخر في قفص الاتهام ويعلنون بأنهم "غير مذنبين". مجرمو الحرب هؤلاء هم من يعودون بقوة إلى الذاكرة عندما نسمع طوفان التصريحات التي تشدد على أن الولايات المتحدة غير مسؤولة أبداً عن المأساة الفادحة بشكل متزايد والتي تضرب الشعبين العراقي والليبي.
ما هي الجرائم التي لا يتحمل كيري والكثيرون غيره من أركان النخبة الحاكمة في واشنطن أية مسؤولية عنها ؟
"الصدمة والرعب". ذلك هو الوصف الذي كانوا يطلقونه على ما جري خلال الفترة التي كانوا يقومون فيها بنشاطاتهم. قوة تدميرية هائلة يواجهون بها مجتمعاً سبق وجرى تهشيمه بعشر سنوات من العقوبات الأميركية السادية التي أودت بحياة مئات الألوف وأجبرت ملايين الأشخاص على النزوح. وقد أدى الاحتلال الأميركي إلى تدمير جميع مؤسسات المجتمع العراقي، في حين كانت واشنطن تحوك المؤامرات لتقسيم العراق طائفياً بهدف ضرب وحدته الوطنية.
وكل ذلك بذريعة المخاوف من "أسلحة الدمار الشامل" ومن العلاقة بين بغداد وتنظيم القاعدة. وكل ذلك لم يكن غير أكاذيب باتت معروفة من قبل العالم بأسره.
لم تكن هنالك أية أسلحة للدمار الشامل. ولم تكن القاعدة موجودة في العراق حتى اللحظة التي قررت فيها الامبريالية الأميركية إسقاط الحكومة العراقية وتفكيك النسيج الاجتماعي العراقي. والواقع أن القاعدة لم تكن موجودة أصلاً قبل قرار واشنطن بإشعال حرب دامية على يد إسلاميين يمينيين في أفغانستان، عام 1980.
أما في ليبيا وسوريا، فقد تخلت حكومة أوباما عن ذريعة "مكافحة الإرهاب" لصالح تبرير لا يقل سادية وغشاً بهدف تنظيم عملية لإسقاط النظام في هذين البلدين. أما الذريعة الجديدة فهي حقوق الإنسان. وقامت الولايات المتحدة وحلف الناتو بقصف عنيف بالتوازي مع إعداد وتسليح ميليشيات يقودها إسلاميون في حرب دمرت جميع البنى الحكومية والاجتماعية القائمة.
وفي الوقت نفسه، تشن الولايات المتحدة حرباً من النوع نفسه بهدف تغيير النظام في سوريا، وذلك عبر تقديم الدعم للإسلاميين السنة وللميليشيات الطائفية التي تقودها "داعش"، أي الجهة نفسها التي فرضت سيطرتها على مساحة شاسعة من العراق. وتأمل الولايات المتحدة إنهاء الحرب السورية بقتل زعيم عربي علماني آخر هو بشار الأسد.
لم يمض غير أسبوع واحد على اقتراح قدمه أوباما بتزويد "المتمردين" في سوريا بأسلحة بقيمة 500 مليون دولار - وهي أسلحة يعلم الجميع أن حيازتها ستكون من نصيب "داعش" التي يفترض أن الولايات المتحدة تعمل على ضربها في العراق -
وفي حين تتجه أوهام وتناقضات السياسة الأميركية نحو المزيد من الانكشاف الفاضح، يتصرف المسؤولون الأميركيون بكل بساطة كما ولو أن الشعب الأميركي لا يلاحظ شيئاً، أو أنه مستعد لأن يصدق كل ما يقال له. كما ولو أنه لا ينتبه إلى كون الـ 500 مليون دولار قد يتم توظيفها في حرب إجرامية في وقت يقال فيه للشعب الأميركي : "لا نمتلك مالاً" نصرفه على الصحة والتعليم والسكن والوظائف.
إن عملية التدمير التي أطلقتها الطغمة الأميركية الحاكمة في الشرق الأوسط هي، بكل تداعياتها البشرية المرعبة، تعبير خارجي عن الدور التدميري لهذه الطغمة في داخل الولايات المتحدة نفسها. إنها تدمر القاعدة الصناعية للبلاد، وتحول الاقتصاد الأميركي إلى مائدة قمار يرتع فوقها الطفيليون من رجال المال، كما تقضي على الوظائف وشروط الحياة عند ملايين الأميركيين.
وفي ظل عدم الرد على الأزمة المتصاعدة في الداخل، تتجه الطغمة الأميركية الحاكمة نحو ممارسة العنف في الخارج، ونحو تعميق الكارثة التي صنعتها لمجتمعات أخرى.
لا مجال للتغاضي عن تصريحات أمثال كيري وكريستوف وفريدمان بخصوص اللامسؤولية عن ارتكاب الذنب. فالولايات المتحدة مسؤولة عن ارتكاب جرائم مرعبة بحق الإنسانية.
ومع ذلك، لم توجه التهمة بالمسؤولية إلى أحد، لا إلى أميركيين من أمثال بوش وتشيني ورامسفيلد ورايس وباول وغيرهم ممن تآمروا بهدف شن الحروب العدوانية. ولا إلى أميركيين في الحكومة الحالية من أوباما إلى أصغر موظف في السلم، ممن تآمروا بهدف التغطية على سابقيهم وبهدف الاستمرار في ممارسة السياسة الافتراسية ذاتها. ولا "المأمورين" العسكريين الذين نفذوا الأعمال الحربية، ولا الشركات الخاصة التي استفادت من الحروب، ولا وسائل الإعلام الكاذبة التي ساهمت في فرض الاقتناع بتلك الحروب على الجمهور الأميركي، ولا الجامعيين الجبناء والامتثاليين ممن برروا تلك الحروب ووافقوا عليها.
كل هؤلاء مسؤولون عن الكوارث التي لحقت بشعوب العراق وليبيا وسوريا.
عن موقع : mondialisation.ca
1 تموز / يوليو 2014
"الولايات المتحدة الأميركية غير مسؤولة عما جرى في ليبيا وعما يجري اليوم في العراق". هذا ما صرح به وزير الخارجية الأميركي خلال مؤتمر صحافي عقده في القاهرة أثناء جولته الأخيرة في الشرق الأوسط.
وفي الوقت الذي كان كيري يدلي فيه بتصريحه هذا، كانت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وما يقال بأنه انتفاضة سنية يحكمان قبضتهما على شمال وغرب العراق بما في ذلك على الحدود مع سوريا والأردن. أكثر من مليون عراقي نزحوا بفعل المعارك، وقتل الألوف في هذا الصدام الطائفي المتزايد الخطورة.
أما ليبيا، فإنها في حالة انهيار كامل في ظل الصراعات المتواصلة بين الميليشيات المتنافسة، والحكومة غير الموجودة إلا على الورق، وتضاؤل الإنتاج النفطي بنسبة لا تقل عن 80 بالمئة، واضطرار أكثر من مليون ليبي إلى النزوح هرباً من أعمال العنف. وهنالك الألوف من السجناء المحتجزين في سجون تديرها جماعات مسلحة تمارس التعذيب بأشكال منهجية.
وبالعودة إلى تصريح جون كيري، فإن هذا التصريح لم يفعل، منذ تحول الوضع في العراق إلى انهيار كامل، غير تحويل المعزوفة التي ترددها النخبة السياسية الأميركية ووسائل الإعلام والقائلة إن "الولايات المتحدة غير مسؤولة" ... غير تحويل تلك المعزوفة إلى موقف رسمي.
وقد جاء تعليق نيكولا كريستوف، المحلل في صحيفة نيويورك تايمز، معبراً بشكل واضح عن هذا الموقف. فهذا الامبريالي "المدافع عن حقوق الإنسان" والذي كان معارضاً بلا هوادة للغزو الأميركي للعراق، عام 2003، يكتب اليوم أن "الانهيار في العراق ليس سببه الرئيس أوباما ولا الحزب الجمهوري [...]. سببه بشكل أساسي هو رئيس الوزراء العراقي نوري كمال المالكي".

الارهاب
وهكذا، يتحول المالكي الذي وصل إلى الحكم في ظل الاحتلال الأميركي إلى كبش محرقة. فيوم الأحد الماضي، كتب توماس فريدمان، محلل الشؤون الخارجية في صحيفة تايمز، أن المالكي هو "مشعل الحرائق الذي ترك الفوضى عامداً متعمداً تنتشر في البلاد في اللحظة التي انسحب فيها الأميركيون منها". وفريدمان نفسه هو الذي سبق له أن كتب مفتخراً، عام 2003، عن القوات الأميركية وهي تفتش العراق بيتاً بيتاً، وعن العراقيين الذين ينبغي لهم، بحسب نصيحته، أن يتعاملوا إيجابياً مع الوضع الجديد، قبل أن يؤكد أن "لا مشكلة في شن حرب من أجل النفط".
إن مجرمي الحرب النازيين الذين حوكموا في نورمبرغ، من هيرمان غورينغ إلى أصغر مجرم في السلسلة، هم من يعودون إلى الذاكرة بقوة وهم يقفون الواحد بعد الآخر في قفص الاتهام ويعلنون بأنهم "غير مذنبين". مجرمو الحرب هؤلاء هم من يعودون بقوة إلى الذاكرة عندما نسمع طوفان التصريحات التي تشدد على أن الولايات المتحدة غير مسؤولة أبداً عن المأساة الفادحة بشكل متزايد والتي تضرب الشعبين العراقي والليبي.
ما هي الجرائم التي لا يتحمل كيري والكثيرون غيره من أركان النخبة الحاكمة في واشنطن أية مسؤولية عنها ؟
"الصدمة والرعب". ذلك هو الوصف الذي كانوا يطلقونه على ما جري خلال الفترة التي كانوا يقومون فيها بنشاطاتهم. قوة تدميرية هائلة يواجهون بها مجتمعاً سبق وجرى تهشيمه بعشر سنوات من العقوبات الأميركية السادية التي أودت بحياة مئات الألوف وأجبرت ملايين الأشخاص على النزوح. وقد أدى الاحتلال الأميركي إلى تدمير جميع مؤسسات المجتمع العراقي، في حين كانت واشنطن تحوك المؤامرات لتقسيم العراق طائفياً بهدف ضرب وحدته الوطنية.
وكل ذلك بذريعة المخاوف من "أسلحة الدمار الشامل" ومن العلاقة بين بغداد وتنظيم القاعدة. وكل ذلك لم يكن غير أكاذيب باتت معروفة من قبل العالم بأسره.
لم تكن هنالك أية أسلحة للدمار الشامل. ولم تكن القاعدة موجودة في العراق حتى اللحظة التي قررت فيها الامبريالية الأميركية إسقاط الحكومة العراقية وتفكيك النسيج الاجتماعي العراقي. والواقع أن القاعدة لم تكن موجودة أصلاً قبل قرار واشنطن بإشعال حرب دامية على يد إسلاميين يمينيين في أفغانستان، عام 1980.
أما في ليبيا وسوريا، فقد تخلت حكومة أوباما عن ذريعة "مكافحة الإرهاب" لصالح تبرير لا يقل سادية وغشاً بهدف تنظيم عملية لإسقاط النظام في هذين البلدين. أما الذريعة الجديدة فهي حقوق الإنسان. وقامت الولايات المتحدة وحلف الناتو بقصف عنيف بالتوازي مع إعداد وتسليح ميليشيات يقودها إسلاميون في حرب دمرت جميع البنى الحكومية والاجتماعية القائمة.
وفي الوقت نفسه، تشن الولايات المتحدة حرباً من النوع نفسه بهدف تغيير النظام في سوريا، وذلك عبر تقديم الدعم للإسلاميين السنة وللميليشيات الطائفية التي تقودها "داعش"، أي الجهة نفسها التي فرضت سيطرتها على مساحة شاسعة من العراق. وتأمل الولايات المتحدة إنهاء الحرب السورية بقتل زعيم عربي علماني آخر هو بشار الأسد.
لم يمض غير أسبوع واحد على اقتراح قدمه أوباما بتزويد "المتمردين" في سوريا بأسلحة بقيمة 500 مليون دولار - وهي أسلحة يعلم الجميع أن حيازتها ستكون من نصيب "داعش" التي يفترض أن الولايات المتحدة تعمل على ضربها في العراق -
وفي حين تتجه أوهام وتناقضات السياسة الأميركية نحو المزيد من الانكشاف الفاضح، يتصرف المسؤولون الأميركيون بكل بساطة كما ولو أن الشعب الأميركي لا يلاحظ شيئاً، أو أنه مستعد لأن يصدق كل ما يقال له. كما ولو أنه لا ينتبه إلى كون الـ 500 مليون دولار قد يتم توظيفها في حرب إجرامية في وقت يقال فيه للشعب الأميركي : "لا نمتلك مالاً" نصرفه على الصحة والتعليم والسكن والوظائف.
إن عملية التدمير التي أطلقتها الطغمة الأميركية الحاكمة في الشرق الأوسط هي، بكل تداعياتها البشرية المرعبة، تعبير خارجي عن الدور التدميري لهذه الطغمة في داخل الولايات المتحدة نفسها. إنها تدمر القاعدة الصناعية للبلاد، وتحول الاقتصاد الأميركي إلى مائدة قمار يرتع فوقها الطفيليون من رجال المال، كما تقضي على الوظائف وشروط الحياة عند ملايين الأميركيين.
وفي ظل عدم الرد على الأزمة المتصاعدة في الداخل، تتجه الطغمة الأميركية الحاكمة نحو ممارسة العنف في الخارج، ونحو تعميق الكارثة التي صنعتها لمجتمعات أخرى.
لا مجال للتغاضي عن تصريحات أمثال كيري وكريستوف وفريدمان بخصوص اللامسؤولية عن ارتكاب الذنب. فالولايات المتحدة مسؤولة عن ارتكاب جرائم مرعبة بحق الإنسانية.
ومع ذلك، لم توجه التهمة بالمسؤولية إلى أحد، لا إلى أميركيين من أمثال بوش وتشيني ورامسفيلد ورايس وباول وغيرهم ممن تآمروا بهدف شن الحروب العدوانية. ولا إلى أميركيين في الحكومة الحالية من أوباما إلى أصغر موظف في السلم، ممن تآمروا بهدف التغطية على سابقيهم وبهدف الاستمرار في ممارسة السياسة الافتراسية ذاتها. ولا "المأمورين" العسكريين الذين نفذوا الأعمال الحربية، ولا الشركات الخاصة التي استفادت من الحروب، ولا وسائل الإعلام الكاذبة التي ساهمت في فرض الاقتناع بتلك الحروب على الجمهور الأميركي، ولا الجامعيين الجبناء والامتثاليين ممن برروا تلك الحروب ووافقوا عليها.
كل هؤلاء مسؤولون عن الكوارث التي لحقت بشعوب العراق وليبيا وسوريا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018