ارشيف من :أخبار عالمية

«الأقلية» أغلبية بتوزيعة «طائفية»

«الأقلية» أغلبية بتوزيعة «طائفية»
هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية

في ظروف سياسية معقدة، ووضع متأزم، وأحاديث عن تسويات وصفقات، ولقاءات ومساومات، وجملة من المبادرات، والعروض الذي جاءت وفق صيغ «شفوية» عن عرض لتشكيل حكومة وفق معادلة «6/6/6» (6 مقاعد للطائفة الشيعية، و6 للطائفة السنية، و6 للعائلة الحاكمة)، وإعادة تشكيل الدوائر الانتخابية بتوزيعة «20/20» (20 مقعداً للمعارضة، مقابل 20 مقعداً للموالاة»، يخرج مجلس بلدي الجنوبية للمطالبة بزيادة دوائر محافظته إلى 8 بدلاً من 6 دوائر حالياً!

المطلب «غريب» جداً، في ظل حديث مؤكد وقد يقر قريباً، عن تعديل مرتقب للدوائر الانتخابية بشتى المحافظات الخمس، وما هو «شبه مؤكد» أن المحافظة الجنوبية ستقلص دوائرها من 6 إلى 4 دوائر، على أن تضاف دائرة في المحافظة الشمالية، وأخرى في المحافظة الوسطى.

ما لا يمكن النقاش فيه هو اتساع الفجوة بين نسبة التمثيل في دوائر المحافظة الجنوبية، ودوائر محافظتي الشمالية والوسطى، إذ يمكن مقاربة ذلك بين الأولى بالمحافظة الشمالية (أكبر دائرة انتخابية في البحرين) والدائرة السادسة بالمحافظة الجنوبية (أصغر دائرة في البحرين).

الأرقام التي لا يمكن لأي أحد أن يشكّك فيها، وهي أن ناخب «سادسة الجنوبية» يعادل 21 ناخباً في «أولى الشمالية»، وبالعدد نفسه في الدائرة الأولى لمحافظة الوسطى ثاني أكبر دائرة في البحرين.

في العام 2010، عندما أعلن عن قوائم الناخبين، تبين أن الدائرة الأولى في المحافظة الشمالية شهدت زيادة قدرها 5 في المئة عن العام 2006، فيما شهدت الدائرة السادسة بالمحافظة الجنوبية تراجعاً في عدد الناخبين بواقع 36 في المئة! كما شهدت «خامسة الجنوبية» و«ثالثة الجنوبية» أيضاً تراجعاً في عدد الناخبين وبشكل طفيف!

الأرقام لا تكذب، والواقع يؤكد أن ثلاث دوائر في المحافظة الجنوبية تشهد تراجعاً سكانياً، وأن الزيادة التي حدثت في «أولى الشمالية» في العام 2010 (774 ناخباً) تفوق عدد ناخبي «سادسة الجنوبية» بالكامل (768 ناخباً)، في مفارقة غريبة جداً، لا يمكن أن تجدها في أي بلد في العالم على الإطلاق!

تلك الأرقام، تبين حقيقة الظلم الواقع في توزيع الدوائر الانتخابية في البلاد، إذ أن نائباً يمثل دائرة لا يسكنها إلا قلة معدودة على الأصابع من البشر، ولا يعرف حقيقة سكنهم ودائماً ما يفوز بـ«التزكية»، وبين دائرة تضج بآلاف مؤلفة من البشر.

ومع ذلك الظلم البين والفاحش، في توزيع الدوائر الانتخابية، فإن تيارات وكيانات «مواليها» تهرب من المطالبة بتطبيق العدالة في الدوائر الانتخابية، وربطت ذلك بمفهوم «التحصن الطائفي» الذي أوردته تلك الكيانات بما فيها «جمعيات الفاتح»، وكذلك «تجمع الوحدة» في وثيقته السياسية (الصفحة السابعة السطر الخامس قبل الأخير) «التحصن من طغيان طائفة إلى الصبر على طغيان (...)».

كيانات «الفاتح» الموالية تتحدّث عن أنها تطالب بدوائر انتخابية أكثر عدالة ضمن مرئياته في حوار التوافق الوطني وهي أحد مراجع المشروع السياسي.

العقل والمنطق، يؤكدان على أمر واحد، وهو أن خطأ التطبيق لا يمكن أن يحمله التشريع، وتحقيق العدالة والإنصاف بين الناس لا يمكن أن يؤجل أو يلغى لوجود مخالفين له، أو متصارعين عليه، إذ لا يمكن أن نسلب كل الناس حقوقهم، لمجرد وجود بعض من يريدون استغلال ذلك الحق.

التبرير غير المنطقي وغير العقلاني، هو هروب من حقيقة «النزعة الطائفية» في توزيع الدوائر الانتخابية، إذ ستجد أن كل الدوائر في محافظة الشمالية مثلاً، تتجاوز عدد الناخبين فيها حاجز الـ10 آلاف ناخب، فيما عدا الدائرة الرابعة (البديع) عدد ناخبيها فقط 3900!

تيارات وكيانات «جمعيات الفاتح» تتمسك ضمن رؤيتها الحالية والتي هي مجبورة عليها وفق الظروف والمعطيات والمتغيرات التي تفرض القبول بـ«التنازل» ولو بالقليل، تتمسك برؤيتها في أن يعاد توزيع الدوائر الانتخابية بصورة «أكثر عدالة»، حسب تعبيرها، فتلك الكيانات لا تطالب بالعدالة، بل بأكثر عدالة، وهي العدالة المنقوصة التي لا تساوي بين الناس أجمعين كأسنان المشط.

الكيانات «الموالية» التي ترفض ظاهرياً «المحاصصة الطائفية»، تتمسك بتوزيع دوائر «طائفي» لا يسلبها مكتسباتها التي تضمن لها الأغلبية، رغم كون حقيقتها «أقلية».

تلك الرؤية، لا تريد العدالة المنطقية التي أوجدها رب العالمين، بل تريد عدالةً تفوق العدالة السابقة، إذ كانوا يرون من قبل أن توزيع الدوائر الانتخابية عادلة ومنطقية، وتحقق لهم الأمان والحماية، وعدم الخوف من «طائفة»، والآن يريدونها أكثر عدالةً من السابق، وذلك بعد ثورة وأزمة خانقة استوجبت المراجعة والتنازل عن جزء بسيط من الأنانية والنزعة الإقصائية، وتقديم فتات بسيط بمفهوم «أكثر عدالة».

لكي نفهم حقيقة تلك العبارة التي أوردوها في أدبياتهم مراراً وتكراراً، وتحديتُ مناصريهم أن يفسّروها: «التحصن من طغيان طائفة إلى الصبر على طغيان (...)»، سنفهم حقيقة عدم المطالبة بدوائر انتخابية عادلة، ومن ثم الحديث الركيك والمتخبط عن المطالبة بدوائر انتخابية أكثر عدالة، لا تقلب الموازين، ولا تغيّر من التركيبة الحالية، ولا تقلّص من نفوذ أو تغيّر معادلات طائفية، حتى لا تتحقق نبوءة «طغيان طائفة»!
2014-07-26