ارشيف من :أخبار عالمية

حل الأزمة يبدأ بالاعتراف بأطرافها وبعناصرها

حل الأزمة يبدأ بالاعتراف بأطرافها وبعناصرها
يعقوب سيادي-"الوسط"
   
الأزمة أولاً إنسانية سياسية، لذا وجب على من بيده أمر حلها من السلطات القائمة، أن تعترف بأنها سلطة بالوكالة، عن شعب البحرين، أصل ومصدر السلطات جميعها، يسودها ولا تسوده، وتستمد شرعيتها، أسوة بالسلطات الأخرى التشريعية والبرلمانية، كما يجري في من البلدان الديمقراطية، من خلال مبدأ القبول الشعبي؛ وثانياً هي إنسانية حقوقية، فلا سَيّد في الأفراد ولا مَسُود، وللإنسان حقوق، لا يزيدها ولا ينتقص منها، لا جنسه ولا لونه، لا أصله ولا لغته، لا دينه ولا مذهبه، لا منصبه ولا غناه أو فقره؛ وثالثاً هي مدمرة للوطن، والوطن لا ينفك من وجدان المواطن، طوال حياته وفي مماته، والوطن عدا عن كونه رقعاً من اليابسة والماء والأجواء، بما حوت من زرع وصيد ومواد أولية، وهي باختلاف مناطقها ملكية عامة لشعب هذه البلاد، يستنفع بها المواطنون تساوياً وبالعدالة، كل حسب كده وجهده وكفاءته وعلمه، فيتكافل المواطنون في التعامل مع هذه العطاءات، بالجمع والتهيئة، بالاستثمار والتطوير والتنمية، بما يسهل الحياة على جميعهم، في حدها الأدنى الذي يرقى كلما رقت ونمت الممتلكات العامة، والوطن هو الارتباط الوجداني للمواطنين بتلك المساحات، فما الأرض من دون البشر إلا تراب وحجر.

والإنسانية والمواطنة، تساوي بين أفراد جميع الأطراف الفاعلة في المجتمع، دوناً عن مناصبهم ومواقعهم في المسئوليات، سواء الرسمية في أجهزة الدولة، أو الشعبية في مؤسسات المجتمع المدني، ولا تفارق بينهم إلا بالتنوع التخصصي والكفاءة كل في مجاله، ليتكافل جميع المواطنين لتنمية المجتمع والوطن، خدمةً لجميع المواطنين، عبر القبول والتوكيل الشعبي للسلطات جميعها، الرئاسية أو الملكية، والتشريعية والقضائية، والسلطة التنفيذية (الحكومة)، والسلطة البلدية المحلية.

ويفوض الشعب مجلس النواب (السلطة التشريعية)، لتشريع القوانين وأنظمة إدارة الدولة، ومراقبة تنفيذها من قبل السلطة التنفيذية (الحكومة)، وللسلطة التشريعية محاسبة السلطة التنفيذية من خلال المقاضاة أمام السلطة القضائية، التي بدورها تَعدُل في تطبيق القوانين والتشريعات التي شرعتها السلطة التشريعية، وتنظر في قانونية القرارات التي تصدرها السلطة التنفيذية، وتقف السلطة الرئاسية أو الملكية، فاصلاً بين جميع السلطات، لتصون المبدأ الدستوري للفصل بين السلطات، واستقلالها الإنشائي والإداري والمالي، واستقلال قرارها.

وما تعاطي مؤسسات الدولة في جانب، وتعاطي مؤسسات المجتمع المدني في الجانب الآخر، لذات الموضوعات، باختلاف الرأي والتقييم، إلا وسيلة مدنية سلمية حديثة، لتطوير أداء الجميع، لخدمة المواطن، وتطوير وعيه بحقوقه، ومدنية وسائله، للمطالبة باستكمال ما يستقصره، وللمطالبة بأداء ما تقصر في أدائه السلطات، ولا يستدعي ذلك إلا الإجراءات التواصلية، بعيداً عن استخدامات السلطات لما منحها الشعب من عناصر القوة الجبرية، التي مكانها مستدعيات أخرى.

والمواطنة حقٌّ يكفله الدستور، وواجب على السلطة التنفيذية (الحكومة) من خلال جهازها المختص، إصدار وثيقة المواطنة، لكل من استحقها بالولادة، لوالدين بحرينيين بالولادة، وبحسب شروطها الدستورية، ونؤكد هنا موقفنا من اكتساب الجنسية بالشروط الدستورية، وليس للقانون إلا معالجة الثبوتيات والإجراءات، الواجب على الجهة المختصة استقاؤها واتّباعها، لإصدار الوثيقة وبالشكل الذي يشترطه القانون وصفاً لهذه الوثيقة، أما موضوع منح الجنسية لمن قدم خدمات جليلة للوطن، فلا بأس أن يحدّد الدستور معايير التجليل للخدمات، ويوكل للسلطة الرئاسية أو الملكية، قرارات منحها، بناء على طلب وتزكية من قبل أي سلطة من سلطات الدولة الأساسية، مع شرط عدم الاعتراض الشعبي على منح الجنسية، والذي يؤخذ في الاعتبار لإصدار الحكم القضائي، بمشروعية منح الجنسية من عدمه، ولا يؤخذ في اعتبارات الخدمات الجليلة، الانخراط في الاجهزة الخاصة أو الأمنية، لعدم دستورية تولي غير المواطنين الوظائف في هذه الأجهزة.

وقانون العقوبات يتوجب ألا يمس المواطنة كعقوبة على أي جرم كان، فالمواطنة أو ما هو متعارف على تسميته خطأً بالجنسية، يتوجب أن تصان بالدستور لكل من اكتسبها بالولادة لأبوين بحرينيين بالولادة، ولقانون العقوبات أن يعاقب بأقصى العقوبات الممكنة إنسانياً عدا عن إسقاط الجنسية، أما عقوبة سحب الجنسية عمن تم تجنيسه وفقاً للشروط الدستورية، فيجوز سحبها، بحكم قضائي تتوسله السلطة التنفيذية (الحكومة)، ضد من لم يستوفِ شروط تجنيسه اللاحقة للفترة الزمنية القانونية.

وإذا ما نظرنا إلى أطراف الأزمة، وهي أولى المعضلات، فسنجد أنهم أطراف متداخلو الهوية والانتماء، سياسياً واجتماعياً ومذهبياً، فالسياسة لا تلتقي والدين في تفريعاته المذهبية، فهي أي السياسة لا تفرق بين أصحاب دين وآخر، أو بين أصحاب مذهب ومذهب، ومصالح الإمارة لأصحاب السمو، ومن يستظل بنفوذهم من الانتماءات المجتمعية المختلفة، لا تلتقي ومصالح سواد الشعب من المواطنين، وفي هذا إلغاء، أو بحد أدنى خلل في معيار الهوية الوطنية، بمعيار المواطنة، اللازمة كأساس لحل الأزمة، وعلى هذا المنوال، يندرج فهم عناصر الأزمة بالتوهان في ذات الاختلاف بين أطرافها.

لذا كان واضحاً محاولات إظهار علاقة أطراف الأزمة وعناصرها، على أنها مسببات، وفي ذات الوقت دوافع للصراع المذهبي لذات الدين الإسلامي، على مستوى الجغرافيا السياسية، المحلية والإقليمية والعربية والإسلامية، ذاك الذي واجهته الحراكات الشعبية التي تتوجت بحراكات 14 فبراير 2011، في تضادد المصالح والنفوذ والاستفادات، بما عقّد الأزمة وأوصلها إلى واقعها الأليم في أواخر العام 2014.
2014-08-03