ارشيف من :أخبار لبنانية
جلجلة عرسال في يومها الرابع: الأمن الذاتي؟
سعدى علوه - صحيفة "السفير"
يأتي صوت أحد مخاتير عرسال حازماً «نحن لا نريد فقط إخراج المسلحين من عرسال وجرودها، بل أيضاً كل نازح حمل السلاح معهم وساندهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة».
يذهب المختار إلى أبعد من ذلك «سنعرف كيف نحمي ضيعتنا»، ملمّحاً إلى بوادر وضع ركيزة يبنى عليها لتحقيق الأمن الذاتي في حال لم يدخل الجيش إلى عرسال ويتسلم أمنها بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
مع الحديث عن هدنة الـ24 ساعة التي لم تصمد مساء أمس، كثيراً إثر الهجوم الذي شنّه المسلحون على حاجز الجيش في وادي عطا، خاض العديد من رجالات عرسال نقاشاً داخلياً حول علاقتهم بالسوريين الموجودين في بلدتهم.
شكّل احتلال عرسال واستباحتها من قبل المسلحين «الشعرة التي قصمت ظهر البعير». قاربت أعداد السوريين من نازحين ومسلحين في البلدة الـ150 ألفاً ما بين نازح مسجل وغير مسجل وما بين مسلحين. ضاقت عرسال بقاطنيها وهي التي لم تكن مجهزة خدماتياً بما يكفي أربعين الف نسمة هم عدد سكانها، ومع ذلك لم يرفع العراسلة الصوت، بل أسكنوا نحو ستة آلاف عائلة في منازلهم، وبني نحو ستين مخيماً غير رسمي على أراضيهم وفي أحيائهم وبين منازلهم، ولم يخرج صوت عرسالي واحد يطالب بإقفال حدودهم.
نافس السوريون أبناء البلدة في المهن كافة. فتحوا عشرات المحلات ومارسوا كل المهن، وسط تقبل عرسالي لم تنتهجه أي منطقة اخرى في لبنان.
دفعت عرسال الكثير بالسياسة والأمن وعلاقاتها مع الجوار، ورفع بعض المستثمرين بالثورة السورية السقف إلى الحديث عن «جمهورية عرسال» التي تسيطر على 40 كيلومتراً من الحدود المفتوحة على ريف القصير وحمص وصولاً إلى العاصمة دمشق، في وقت كانت أصوات بعض أهلها تنادي بتنظيم وجود النازحين وضبط التجاوزات.
في مواجهة الداعين إلى تنظيم النزوح السوري وضبطه، خرج «المغالون» يتهمونهم بصبغة سياسية معاكسة للجو الذي رُوّج عن عرسال بالإعلام.
يضحك أحد أبناء البلدة بمرارة مما آل إليه الوضع «المغالون أنفسهم انقلبوا إلى مغالاة على الجهة النقيضة». يقول هؤلاء (المغالون) «لا نريد أي نازح في البلدة، وتحديداً الذكور من بينهم، بعد استباحة عرسال».
وبالفعل، تمكن أبناء عرسال أمس، من التصدي للمسلحين في منطقة الشفق، وهي تلة في جنوب غرب عرسال، والأعلى في محيطها. قَدِم المسلحون لقصف مواقع الجيش من مضاد على آلية متحركة. خرج إليهم اثنان من شباب الحي من دون سلاح مسنودون بثلاثة شبان أخذوا مواقع قتالية، فغادر المسلحون بآليتهم على الفور. وما حصل في تلة الشفق حصل في منطقة أخرى من عرسال.
يقول ابن عرسال نفسه (وللمناسبة لا يتم ذكر الأسماء خوفاً عليهم من المسلحين)، إن عرسال تحولت إلى مدينة أشباح. تلك البلدة الفقيرة التي لم تعرف الحرب قبل اليوم، صارت مرتعاً للمسلحين فيما التزم من بقي من أهلها منازلهم. تجوبها الآليات بمضادات 23 و14.5 ومدفعية الميدان وقواعد الصواريخ، يقصفون على الجيش ويغيّرون مواقعهم بسرعة بالقرب من المخيمات ومن ثانوية عرسال حيث لجأ إليها نازحون هاربون من مخيمهم. رد الجيش على مصدر النيران فأصيبت الثانوية.
يقول رجل عرسالي خرج لتفقد عائلته التي أرسلها إلى مكان أكثر أمناً من منزله، إن مشهد «الأطفال النازحين الذين تسبب المسلحون في مغادرتهم مخيماتهم وخيمهم، مأساوي». يفترش بعضهم الطرقات، يبكون طيلة الوقت وخصوصاً على وقع القصف المتبادل، ويجوعون.. نعم يجوعون. «العرسالي لديه مؤونة، أما النازح فيعيش يوماً بيوم»، يقول الشاب نفسه. وعليه «يستبيح المسلحون النازحين الأبرياء كما فعلوا مع أهالي عرسال وبلدتهم».
وبعدما يعدّد مختار آخر من عرسال احتياجات البلدة من خبز وطحين وأدوية ومواد غذائية وطبابة «مات عرسالي أمس، إثر إصابته وعدم القدرة على علاجه، بسبب إقفال الطريق».
النقمة على المسلحين يؤكدها المختار عينه، مشيراً إلى ان أهالي عرسال لا يريدونهم في جرود عرسال أيضاً. يرسم المختار خريطة طريق لمغادرة المسلحين ومَن معهم من عرسال إلى الجرود السورية.
يقول أن إمدادات وأسلحة مخزّنة في جرود ريف القصير وريف حمص في الأراضي السورية ما زالت تأتيهم، ومعها كل ما خزّنوه في جرود عرسال وداخلها «رأيناهم يخرجون أسلحة من البيوت التي منحناهم إياها لنقيهم التشرد والعوز». أما الجرود التي يحددها المختار لإجلائهم إليها فهي جرود: نعمات الفوقا وجب الجراد وجبلة حسه والبريج في ريف حمص، وهي متاخمة لجوسيه والجرود التي تعلو مشاريع القاع والتي لا يسيطر عليها الجيش السوري، و«ربما تساوي بمساحتها الجرد العرسالي»، وفق المختار. ويشير إلى أن المسلحين متحصنون أيضاً في جرود وادي بعيون وسرح الدبس ووادي حورتا فوق القاع ورأس بعلبك، وبالتحديد في حقاب الكاف (الكهف)، حيث توجد كهوف كثيرة.
ويؤكد المختار على كلام آخرين من عرسال تحدثوا عن نية العراسلة اعتماد الأمن الذاتي في حال لم يدخل الجيش عرسال ويتسلم أمنها نهائياً وبحزم. يقول «كفى عرسال تضحيات ونكران الجميل. لا نريد طرد النازحين الأبرياء، وإنما أولئك الذين طعنونا في الظهر واستباحوا منازلنا وأمننا وبلدتنا».
ميدانياً خرقت هدنة أمس، أكثر من مرة. ففي فترة ما قبل الظهر لدى وقف إطلاق النار إفساحاً في المجال لمغادرة وفد «هيئة علماء المسلمين» البلدة، نفذ الجيش أكثر من هجوم على مواقع المسلحين في وادي عطا، وهو ما اسفر عن تمكنه من سحب جثمان الشهيد الملازم أول داني خيرالله وثلاثة جرحى من الجيش. كما تابع الرد على مصادر النيران ولكن لم تقع مواجهات في أحياء من البلدة. ومساء، وإثر سريان الهدنة لمدة 24 ساعة لوصول مبادرة الوساطة إلى خواتيمها، دارت معارك عنيفة في وادي سويد الذي يقع بين سرج حسان ووادي الرعيان من ناحية وادي عطا لجهة الشرق.
ويتحرك الجيش من ثكنته الأساسية في أعالي عرسال عبر نقطتين اساسيتين: الأولى من عين الشعب باتجاه وادي الرعيان حيث يوجد حاجز لعناصره ويتمكن من دعم حاجز وادي عطا ايضاً، والثانية من نقطة المهنية باتجاه حاجز المصيدة ومنه إلى حاجز وادي حميد.
وبعيد منتصف الليل، أفاد شهود عيان من بلدة عرسال أن سيارات عدة عبرت نحو الجرود من معبر حاجز قلعة الحصن الذي كان أخلاه الجيش قبل ثلاثة أيام، وأن ذلك ربما قد يكون إشارة إلى بدء انسحاب المسلحين من عرسال.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018