ارشيف من :ترجمات ودراسات

فلسطين تحترق. استقواء صهيوني بالقوى الدولية وفرنسا في خط المواجهة الأول

فلسطين تحترق. استقواء صهيوني بالقوى الدولية وفرنسا في خط المواجهة الأول
الكاتب : Luis Basurto
عن موقع : Le Grand Soir
29 تموز /يوليو 2014


إلامَ؟ وحَتّامَ؟ ولماذا وكيف علينا دائماً أن نتحمل ما لا يطاق؟

محرقة تجري فصولها مباشرة وبشكل يومي، ليلاً ونهاراً ونهاراً وليلاً، تحت أنظار العالم كله. محرقة تجري مرة أخرى، ومرة أخرى بعد أن طفح الكيل. إنها النكبة الدائمة التي يعيشها الفلسطينيون. النكبة المستديمة والكارثة الكبرى المستمرة والتي يستحيل تحملها. ولكي تحجب المعلومة وتسمم الفكرة وتبرر وتضفي المشروعية وتبرئ "إسرائيل من مذابحها ومجازرها، تقوم الدعاية الصهيونية والمناصرة للصهيونية بإلهائنا وإفحامنا وإرباكنا وخنقنا. تريد أيضاً وأيضاً أن تقلب الأدوار وأن تظهر المعتدي والجلاد، أي الدولة الإسرائيلية وداعميها بمظهر الضحية التي يعتدى عليها أو تدافع عن نفسها.

عملية قلب للأدوار لا تطاق. فالمجازر الإسرائيلية المرتكبة بحق غزة منذ نهاية العام 2008 وحتى العام 2012 تحديداً تبين مرة أخرى، شأنها شأن مجازر العام 2014، أن المعتدين الصهاينة يعتدون بشكل منهجي خلال أقل من ستة أعوام، ويتمتعون بحصانة دائمة من العقاب. كما ولو أنهم يحملون "جواز قتل" يتجدد باستمرار وبشكل دوري بكل ما يشتمل عليه من لؤم وشؤم وإجرام.

العجز الدولي والاجرام الصهيوني


عجز الدول المنظم وعجز المنظمات الدولية، وعجز الأمم المتحدة، وهو العجز الذي كان ينقلب وما يزال إلى قوة لا هوادة فيها مقابل هايتي وساحل العاج وليبيا خلال السنوات القليلة المنصرمة، ذلك العجز هو الرفيق الدائم لجرائم "الدولة الصهيونية". هنالك هذا العجز المرسوم بعناية، وهنالك أيضاً هذا التواطؤ وهذه الممالأة التي تأخذ شكل عدم التدخل أو شكل التدخل النشط . وهنالك هذا الصمت وهذه المواقف الجبانة من قبل دول راعية ومتواطئة كالولايات المتحدة وفرنسا. وغيرها من دول العالم الجاهزة على الدوام لأن تدين وتشيطن وتفرض العقوبات على روسيا والصين والبلدان العربية وبلدان العالم الثالث غير الخاضعة كفنزويلا وكوبا وإيران، أي كل تلك الدول التي يستهدفها المحور المهيمن على العالم والمكون من الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي وبريطانيا وسائر بلدان الناتو. هذا المحور يهب للكلام عن حق "إسرائيل" بالأمن والأمان ليغطي بذلك جنونها الإجرامي، أو ليطلق ما لا يصدق من تصريحات مجبولة بالمشاعر الرقيقة المقترنة بدعوة الدولة المعتدية إلى "ضبط النفس"، أو بابإظهار الأسف الكاذب والمنافق الباعث على التقيؤ تجاه ما يرتكبه الإسرائيليون بحق الفلسطينيين من جرائم الحرب.

فلسطين تحترق. استقواء صهيوني بالقوى الدولية وفرنسا في خط المواجهة الأول
المجازر في غزة


الصهاينة والصهيونية، هذا الشكل الفاحش من اليهودية السياسية الذي يتوخى اجتذاب يهود العالم وحشرهم في بوتقة مغلقة... الصهاينة والصهيونية هما هذا "الجهاد" اليهودي الأبدي الذي يصدر الفتاوى الهادفة إلى شل وتنحية الانتقادات المضادة لإسرائيل، وإلى تصفية المقاومات الفلسطينية وكل مقاومة أخرى في العالم. الصهاينة ! الأكثر ادعاءً للتفوق وطلباً للسيادة على الجميع. والأكثر همجية وقسوة وحقارة ولاإنسانية ووحشية ودموية، والأكثر استشراساً وسادية في ما يخططون له وفي ما يقومون بتنفيذه من أعمال الإبادة المستمرة لشعب بأكمله. إبادة بطيئة لكنها متواصلة ومنهجية من حيث تنظيم وتطبيق ثنائية الفصل العنصري والقتل بحق الفلسطينيين. إلامَ وحتّامَ طالما أن ما يجري في فلسطين قد تجاوز بفظاعته جميع الممارسات المأساوية لأنظمة ودول التمييز العنصري خلال القرنين المنصرمين من تاريخ البشرية؟

فلسطين بلد تعرض للغزو والاستيطان من قبل الإسرائيليين ذوي التوجهات التوسعية القائمة على الهيمنة المدروسة بدقة. استولوا على الأرض وأخضعوا الشعب للقهر والطرد والتشريد أو أسكنوه القبور منذ العام 1948. وما زالوا يضطهدونه ويسلبونه ما تبقى له من أرض ممزقة تتناقص مساحتها منذ العام 1967. وكل ذلك ترجم نفسه على شكل أرباح للإسرائيليين. فلسطين بلد جرى فتحه واستيطانه مع إذلال شعبه أو تصفيته. ومنذ هذه النكبة الجديدة التي وقعت عام 1967، هنالك بشر يعاملون كأنهم جنس أدنى من البشر أو عبيد لا تصلح سواعدهم إلا للسخرة وللتطبيع في إطار مشروع استيطاني أصبح واقعاً ملموساً. مشروع رأسمالية استعمارية يفرض نفسه بقدر ما يصنع المأساة للآخر وبقدر ما يمارس الاستغلال الاقتصادي بحق ما تبقى من ضحايا. إنه مشروع دولة يطلق عليها اسم "إسرائيل". ومأساة الفلسطينيين تتواصل...

لكن الحل النهائي الذي يريده الصهاينة على حساب الفلسطينيين تأخر أكثر من اللزوم، وقد نفد صبر من ينتظرون هذا الحل. فسياسة الأمر الواقع التي يعتمدها الإسرائيليون، ومرور الوقت الذي يخدم عملية تثبيت الأمر الواقع، كل ذلك لا يكفي. أوْ لم يعد كافياً للصهاينة.

هم يريدون إذاً أن يرموا الفلسطينيين في البحر أو أن يقوموا بإبادتهم حيث هم! وبعد أن جربوا كل وسائل النهب والإذلال والتجويع والحصار والتضييق والعزل والسجن والقتل، يريدون أن يفرغوا منهم بحرقهم أو تمزيق أجسادهم بالرصاص والقنابل. وكما تلاحظون، فإن الممارسات الصهيونية الهادفة إلى حل نهائي على حساب الفلسطينيين متنوعة، ولكنها تتجه كلها نحو الهدف ذاته.

إن عقيدة الدولة الصهيونية وممارساتها القائمة على الحرب الدائمة والتي تأسس عليها وجودها "الشرعي" وتبييضها دولياً فيما بعد، لا يمكنها أن تمحو الجرائم المرتكبة منذ البداية. ولا يمكنها أن تلغي صفتها ككيان استيطاني. فهذه العقيدة المسماة "صهيونية" وما تجسد نفسها فيه من ممارسات معروفة هي شكل خاص من أشكال الأصولية والتشدد والجهادية التي تفرض نفسها عن طريق "العقل" من خلال البروباغندا المكثفة والدائمة وما يستتبع ذلك من شحن الأدمغة ودعاوى التحريض على القتل... أو عن طريق القوة وفرض الأمر الواقع بكل الوقاحة التي يلجأ إليها الصهاينة وحلفاؤهم دونما خجل.

أما الدعم والإسناد غير المشروطين اللذين تقدمهما الولايات المتحدة من أجل استمرار وازدهار الكيان الصهيوني وإفلاته من العقاب فيتداخلان مع اصطناع التخريجات الأكثر ميكيافلية. إذ كيف يحدث لحلفاء لواشنطن من العرب والمسلمين كقطر والمملكة السعودية أن يتواجدا في قلب مسرح الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين، في حين أن أحدهما يدعم حركة حماس في غزة بينما يقوم الآخر بمساندة مصر المارشال السيسي الذي يعادي حماس؟ ومن هي الجهة التي تستفيد من كل هذا في نهاية المطاف؟ إن أطماع وخصومات هاتين المملكتين النفطيتين تسعى إلى إيجاد الحلول على حساب الفلسطينيين وأطراف أخرى لا تشكل الضحايا الحصرية للجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني. فهم أيضاً ضحايا النذالة والتواطؤ وقلة الخجل عند هذين "الشقيقين" الكاذبين للقضية الفلسطينية. هنالك، بهذا المعنى، أمر شيطاني تماماً يفوح برائحة أكثر من نتنة، اللهم إلا إذا كنا غير قادرين على فهم ما يجري.

 العنصرية والاستعمار والجرائم أركان ثلاثة تقوم عليها الصهيونية
العنصرية والاستعمار والجرائم المغرقة في البشاعة. تلك هي الأركان الثلاثة التي تقوم عليها الصهيونية. وهي أركان تستند بدورها إلى مزاعم العرق الأعلى والتفوق، شأنها شأن إعلان الصهاينة أنفسهم "شعباً مختاراً" وادعائهم بأنهم يمتلكون حقوقاً أبدية كـ "شعب مختار" على فلسطين بوصفها "أرض ميعاد" لهم فتحوها منذ البداية بحد السيف لضمان امتلاك هذا الشعب "المختار" لفضاء حيوي، وكل ذلك في محاولة لتأليه هذا الشعب وتكريس أسطورته التأسيسية القائمة على الحرب والتشريد أو الحرب والإبادة البطيئة أو الإبادة من خلال هجمات قصوى على هذا الشعب الفلسطيني الذي يعرقل المشروع الصهيوني ويواصل الصمود في وجه ذلك المشروع.

هل ما نشهده اليوم هو تجدد اللعنات الأبدية على جرائم الصهاينة والمجرمين الصهاينة ودولتهم؟ إن الصور القصوى من الاحتجاج والاستنكار اللذين يصدران عن شعوب العالم ولا يعودان بأي نفع ويظلان غير كافيين حتى الفجيعة طالما أنهما لا يضعان حداً للمأساة. والشيء نفسه يقال عن الألم والموت المستمرين اللذين يضربان الشعب الفلسطيني المقهور. احتجاج واستنكار وألم وموت وشعور يلي ذلك بالمرارة القصوى. إنهم الصهاينة الذين يسيطرون على فلسطين ويمسكون بناصية عالمهم كما يمسكون بناصية العالم كله ويقومون بتكبيله وضربه بالشلل بمؤازرة رعاتهم في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بمن فيهم فرنسا التي تقف في خط المواجهة الأول... إلامَ وحتّامَ ولماذا وكيف يمكن الاستمرار في تحمل ما يستحيل تحمله؟
2014-08-06