ارشيف من :أخبار لبنانية

الإرهاب ينسحب من عرسال

الإرهاب ينسحب من عرسال
سلّطت الصحف اللبنانية الصادرة صباح اليوم  الضوء على إنسحاب المسلحين الإرهابيين الى خارج مدينة عرسال. ففي حين أجمعت كل الصحف على الدور الوطني الذي لعبه الجيش اللبناني في حربه على الإرهاب، إلا أنها إختلفت حول إنسحاب المسلحين ومعهم أسرى الجيش. فرأت صحف أن الإنسحاب جاء نتيجة تسويات ومراهنات: "المدينة مقابل الأسرى"، في حين أصرت صحف أخرى على إعتبار أن ما حصل "نصر" محض ولا مداهنات في الموضوع.

الإرهاب ينسحب من عرسال

صحيفة "السفير"

بدايةً مع صحيفة "السفير" التي كتبت أن "لبنان بلا رئيس للجمهورية لليوم السادس والسبعين على التوالي". واضافت "وها هي عرسال تستعيد الوطن إليها، بعدما أهملها طويلاً، وكاد التناسي يحوّلها «إمارة» تكمل مسلسل «إمارات الإرهاب» المستجدة من حولنا.
عادت عرسال، إلى حضن الدولة، لكن 36 عسكرياً لبنانياً من الجيش وقوى الأمن لم يعودوا بعد. هؤلاء تحوّلوا إلى رهائن لدى المجموعات المسلحة التي نقلتهم، على الأرجح، إلى الأراضي السورية، وعلى جدول أعمالها المعلن، قبيل عملية عرسال، الخوض في عملية مقايضة مع سجناء في سجن روميه".

دخلت «السفير»، أمس، إلى عرسال. البلدة منكوبة، بعد انكفاء المجموعات المسلحة عنها. مَن بقي من أهلها خرج يتفقد نفسه وجيرانه وممتلكاته ويلملم أجساد الشهداء، ويضمّد المفتوح.. من الجراح.

الإجابات تبدّت من شوارع كانت مستباحة وظلت محفورة فيها آثار آليات جابتها بالمضادات والمدفعية وقواعد الصواريخ. من منازل الأهالي المدمّر بعضها والمتصدّع معظمها. من محالهم المنهوبة. من أرزاقهم التي تبددت في دورهم ومحالهم، خصوصاً من الرصاص الذي ثقب معظم بيوتهم، ومن الزجاج المتكسر في كل دار ودكان.

جاءتهم الحقيقة المرة من عيون أطفالهم المرعوبة. الصغار الخائفون من الخروج إلى الدور والمصاطب. من الأبواب المقفلة على نزوح الآلاف من بينهم مرغمين على ترك أرضهم ليتشردوا في مختلف المناطق اللبنانية. من آثار القصف الذي لم يترك ناصية أو جداراً إلا ووصمه بختم «حرب الشوارع مرت من هنا».

لكن الإجابة الأكثر حرقة بقيت في دواخلهم. في نفوسهم المجروحة. في ظهورهم حيث جاءت طعنة الغدر. في قلوبهم التي صدمت بنكران الجميل. في طيبتهم وكرمهم ونخوتهم التي قوبلت بانتهاك حرمة بلدتهم.

لم ينَم من صمد من أهالي عرسال ليل انسحاب المسلحين. وقفوا على سطوح دورهم يتأكدون من جلاء المحتلين عن أرضهم، انتظروا بلدتهم لتتحرر من الأسر. وضعوا اليد على زناد بنادقهم عندما عصف المسلحون نهباً بمحتويات المنازل وآليات «البيك آب» يحملونها معهم إلى الجرود.

مع اندحار «الدواعش»، قبل ظهر أمس، صار للعراسلة هم آخر. ساروا في شوارعهم يتأملون في وجوه الرجال النازحين. يتذكرون كيف خرجت طلائع المسلحين من المخيمات التي تبرعوا بأراضيهم لبنائها وإيوائهم. خرجوا من بيوتهم التي لم يبخلوا بها عليهم. من المحال التي فتحوها. من الفم العرسالي الذي ضحى بلقمة الخبز لضيفه. خرجوا ليجتاحوا عرسال قبل وصول الدعم إليهم من مسلحي الجرود البعيدة.

تفرسوا في وجوه ضيوفهم الذين صاروا فجأة ملثّمين ومخفيي الهوية، وهم يستبيحون البلدة التي حضنتهم. سؤال الناس «كيف لنا أن نتعايش مع هؤلاء اليوم وغداً؟ كيف سنثق بهم، كيف سنتعامل معهم؟ والأهم كيف نعالج ذيول ما جرى، ومن يضمن عدم تكراره؟».

سأل العراسلة عن جنود الجيش والدرك المخطوفين، وكأنهم ينتظرون تحريرهم لتكتمل فرحتهم. استكانوا بحذر لاختفاء المسلحين المفاجئ من بينهم. إلى توقف القصف والقنص والقنابل، والأهم إلى فكرة انتشار الجيش في عرسال وإمساك أمنها كاملاً، وكيف سيتمّ التعامل مع قلة قليلة من رجال عرسال ممن ساندوا المسلحين وتعاملوا معهم ضد أهلهم؟
بالأمس، لم تمسح عرسال آثار العدوان عليها. عاشت خروجها من عنق البركان. بُعيد منتصف ليل الأربعاء ـ الخميس الماضي، انسحب عناصر «كتيبة الفاروق» و«لواء أحرار القلمون» و«الكتيبة الخضراء» (معظم عناصرها من الغرباء)، وفق ما يؤكد مختار عرسال عبد الحميد عزالدين.

بين الساعة الرابعة فجراً والسادسة صباحاً (أمس)، انسحب مسلحو «النصرة» نحو الجرود من معبر وادي الحصن الذي أخلاه الجيش في بداية المواجهات. ويروي أحد ابناء عرسال إحصاءه أكثر من مئتي آلية «بيك آب» ورباعية الدفع عبرت حاملة هؤلاء.

المفاجأة جاءت عند الصباح. «لم يترك هؤلاء سيارة «بيك آب» إلا وسرقوها. يقول المختار عز الدين إن جيرانه تمترسوا بسلاحهم قرب ثلاثة «بيك آبات» حتى ردّوا اللصوص عنها. تحدثوا عن خلافات رصدوها بين «النصرة» و«داعش» التي كانت تريد البقاء في عرسال.
وروى بعض الأهالي ممن أتوا من الجرود لـ«السفير» أنهم شاهدوا مجموعات كبيرة من المسلحين تنسحب باتجاه جرد «رأس تنية الراس»، أي جرد عرسال المتاخم لجرد بلدة رأس بعلبك، ومن تلك المنطقة باتجاه جبال «حلايم» التي تشكل حدود جرود عرسال مع «قارة» السورية من جهة الشرق.

أوت الجرود أمس ما لا يقل عن خمسمئة نازح من عرسال، فضلاً عن نازحي المخيمات السورية، فيما انتظر السوريون في الجرود بانتظار إعادتهم إلى بلادهم ضمن القوافل التي تنظمها الأم أغنس مريم للصليب من دير الروم الكاثوليك في بلدة قارة السورية.
لم تلملم عرسال أضرارها، أمس. هي فقط استفاقت على صدمتها. على نكبتها ووجعها. على أسئلة ما بعد الاحتلال والاستباحة. على أسئلة الذات ومعها ضرورة ترتيب البيت الداخلي.
أمس، علا صوت أهالي عرسال مطالبين الدولة باعتبارها منطقة منكوبة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وتفعيل كل مؤسساتها العامة، والبدء بإحصاء الأضرار لدفع التعويضات للمواطنين، وإعادة الكهرباء إليها بعد تدمير معظم المحولات فيها ليتسنى لهم ضخ المياه المعدومة في البلدة.

ولكن أهم ما يريده الأهالي، «ليس مواد غذائية وخبزاً، بل الأمن والجيش المدعوم الذي يمسك بأمن عرسال بقبضة من حديد، وبتنظيم مخيمات النازحين والإشراف عليها، وضبط الجرود، خصوصاً التوقف عن إدارة الظهر لعرسال على الصعد كافة. نحن من قلب هذا الوطن ولسنا أبناء جارية»، كما يقول المختار عز الدين.
أمنيات تبقى رهن مجهول الهدنة الهشة التي خرقت أمس بالقنص الذي مارسه المسلحون على طريق البلدة وشلّ حركتها نسبياً، فيما بقي معظم النازحين من أهلها خارجها للسبب عينه.

وقالت مصادر أمنية لـ«السفير» إن 36 عسكرياً ما زالوا في عداد المفقودين، بينهم 19 من الجيش اللبناني و17 من قوى الأمن الداخلي.

وكانت المجموعات المسلحة قد خطفت عند بدء المعارك 42 عسكرياً (22 جندياً من الجيش و20 عنصراً من قوى الأمن)، وأفرجت قبل انسحابها عن 3 جنود من الجيش و3 عناصر في قوى الأمن.
ولم تتمكن الأجهزة العسكرية والأمنية من تحديد هوية الجهة الخاطفة، أكانت «النصرة» أو «داعش» أو جهة ثالثة، أم أنهم يتوزعون على أكثر من مجموعة، الأمر الذي من شأنه أن يعقد أية مفاوضات في المرحلة المقبلة.

وحول المفاوضات الجارية بين «هيئة علماء المسلمين» و«النصرة»، قال مصدر معني «إذا صحّ أن المسلحين أخرجوا العسكريين منذ الساعات الأولى خارج عرسال، فكيف أعلنت «هيئة العلماء» أن لدى المسلحين عشرة عسكريين فقط؟»، وسأل عما «إذا كانت الهيئة تفاوض لمصلحة الدولة اللبنانية، أم لتحسين شروط الإرهابيين؟».

في هذا الوقت، أكد قائد الجيش العماد جان قهوجي أن قرار المؤسسة العسكرية الملحّ حالياً هو استرداد العسكريين بأي ثمن والجيش لن يترك هذا الأمر أبداً. مشدداً على ان لا تعايش مع الارهابيين لا في عرسال ولا في جردها ولا في أي مكان من لبنان.

وفي السياق ذاته، اكد رئيس المجلس النيابي نبيه بري أمام زواره ان ما بعد عرسال ليس كما قبله، الا انه دعا الى التحوّط لأن عملية الغدر التي تعرض لها الجيش اللبناني، يمكن ان تتكرر في عرسال او خارجها، رافضاً «أي شكل من أشكال المقايضة مع الإرهابيين في ما خص الرهائن من العسكريين»، وقال: ربما نكون امام اعزاز جديدة، وكما رفضنا المساومة في هذا الملف، نرفض المساومة الآن.

بدوره، أكد رئيس الحكومة تمام سلام أن موقف السلطة السياسية داعم بالكامل للقوى المسلحة، ورافض لأي تساهل أو تراخٍ مع مَن انتهك سيادة لبنان واعتدى على اللبنانيين. مشدّداً على فتح نقاش جدي وهادئ داخل الحكومة حول ما جرى والظروف الأمنية والسياسية التي أحاطت به، آملاً التوصل الى مزيد من التوافقات لتحصين الأمن الوطني وحماية الاستقرار الداخلي ومنع تكرار ما حصل في عرسال.

صحيفة "النهار"

من جهتها، رأت صحيفة "النهار" أنه "أفضت المواجهة الشرسة التي خاضها الجيش مع مسلحي "جبهة النصرة" و"داعش" منذ السبت الماضي في يومها السادس امس الى إخلاء المسلحين بلدة عرسال ولكن مع نشوء أزمة أسرى لا يزال مصيرهم مهدداً بفعل احتجازهم على أيدي التنظيمين في الاماكن التي انسحبوا اليها خارج عرسال، مشترطين تنفيذ طلبات معينة، مما يعني ان الهدنة التي واكبت انسحابهم ستبقى غامضة وهشة في انتظار جلاء مصير الاسرى العسكريين والامنيين. ولعل المفاجأة التي برزت في هذا السياق بيّنت ان عدد الاسرى فاق ما كان متداولا، اذ كشفت مصادر عسكرية مساء امس ان 22 عسكرياً و17 من أفراد قوى الامن الداخلي هم في عداد الاسرى لدى "جبهة النصرة" و"داعش"، علماً ان قائد الجيش العماد جان قهوجي كان أكد قبيل حضوره جلسة مجلس الوزراء امس ان الاسرى كانوا أصلا خارج 
عرسال، مما يعني ان المسلحين نقلوهم الى خارج مسرح العمليات منذ تمكنهم من أسرهم.

أما الاسرى السبعة الذين حررهم الجيش فجر امس، فتبين انهم كانوا مختبئين في عرسال وتمكنوا فجرا من الاتصال بوحدات الجيش التي أحكمت الحصار على البلدة فتمت عملية سريعة قامت بها وحدة من الفوج المجوقل وتمكنت من اخراجهم من البلدة.

وفيما أسفرت المواجهة عن مشهد كارثي في عرسال التي بدت في نكبة حقيقية، أفادت "النهار" بعد دخوله امس البلدة، ان المسلحين انسحبوا الى منطقة تبعد أقل من كيلومترين عن الحدود اللبنانية – السورية وعادوا الى تحصيناتهم في الجرود ليراقبوا تطبيق وقف النار وعدم التعرض للنازحين السوريين بعد انسحابهم. وعلم انهم تعهدوا للهيئة الوسيطة وضع مغلف مقفل لاحقا داخل البلدة يشير الى مكان الاسرى العسكريين، لكن الهيئة تحدثت عن انقطاع الاتصال معهم بعد انسحابهم. وأعلنت "جبهة النصرة" مساء عبر موقع "تويتر" ان مسلحيها خرجوا من عرسال "بعدما حصلنا على تعهد لعدم المساس بأهلها وسلمنا 6 اسرى كمبادرة حسن نية وبقية الاسرى وضعهم خاص سوف نبيّنه لاحقاً".

وشهدت البلدة ومحيطها امس أوسع عمليات لنقل الجرحى والمصابين واجلاء ألوف من أبناء البلدة والنازحين وادخال قوافل المؤن والمساعدات في اشراف الجيش الذي تدخل في كل الاتجاهات لتسهيل هذه العمليات. وحصل تطور لافت تمثل في تنظيم عملية خروج نحو 1700 نازح سوري في اتجاه نقطة المصنع على ان يعودوا الى سوريا، الا ان هذه العملية أخفقت ليلا وعاد موكب النازحين أدراجه، اذ رفضت السلطات السورية عودتهم الى الداخل السوري. 

وأفادت "النهار" أن رئيسة دير مار يعقوب في بلدة قارة الأم أغنيس مريم الصليب نفت ان تكون هي التي نسقت مع السلطات السورية موضوع عودتهم. وقالت إن "التعليمات جاءت بأن تنسق الدولة اللبنانية مع السفارة السورية" دخولهم الى سوريا. وانتشرت تجمعات اللاجئين بعد رفض دخولهم سوريا ليلا على الطريق الدولية مكدسة في وسائل النقل وسط ظروف مأسوية.

وعلمت "النهار" ان رئيس مجلس الوزراء تمّام سلام كان في الايام الاخيرة متابعا لحظة بلحظة أوضاع عرسال بالتواصل المستمر مع الوزراء المعنيين والقادة الامنيين، فضلا عن متابعة شؤون الاغاثة مع الهيئة العليا للاغاثة وشؤون الاسعاف، وخصوصا مع اللجنة الدولية للصليب الاحمر التي تكفّلت امس معالجة 44 جريحا أخرجوا من عرسال وهم 43 سورياً ولبناني واحد. وفي الوقت نفسه واكب الرئيس سلام مهمة "هيئة العلماء المسلمين" في اتصال دائم معها وكذلك مع فاعليات عرسال بالتزامن مع الاتصالات الخارجية التي أجراها مع العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني بن الحسين وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. 

وأبلغت أوساط الرئيس سلام "النهار" ان الجهد منصب حاليا على التنسيق مع قيادة الجيش للتأكد من خلو عرسال من المسلحين وكيفية دخول القوات الشرعية اياها والعمل على تحصين عرسال من خلال تسييجها أمنياً باعتبار ان الامساك بالجرود ليس أمراً يسيراً.


الى ذلك، علمت "النهار" ان ما أقرّه مجلس الوزراء امس في شأن تطويع 12 الف عنصر في الجيش وقوى الامن هو استمرار لقرار سابق اتخذه مجلس الوزراء أيام الرئيس ميشال سليمان، والجديد حاليا هو الشروع في تنفيذ القرار من طريق ايجاد مصادر التمويل، فكان ان تقرر ان يشمل التطويع في المرحلة المقبلة ستة آلاف عنصر وضابط وذلك تدريجاً بالتزامن مع توفير المبالغ اللازمة. وجاء هذا القرار في سياق العرض الميداني الذي قدمه وزير الداخلية نهاد المشنوق، وقد حصل على موافقة اجماعية من مجلس الوزراء.

ووصفت مصادر وزارية العرض الذي قدمه قائد الجيش عن الوضع الميداني في عرسال بأنه كان مشجعاً ويدل على ان الجيش ممسك بالارض مع حرصه على سلامة المدنيين، الامر الذي يجعله يتريث في حسم الوضع عسكرياً، وهو في المرحلة الراهنة يحاصر عرسال، وهذا ما جعل المسلحين يهربون منها ولم ينسحبوا الا بعدما فقدوا القدرة على الصمود داخل البلدة وأخذوا معهم الرهائن من الجيش وقوى الامن الداخلي. 

وفي الوقت الحاضر بات الجيش يتمتع بالامكانات اللازمة بفضل ما قدمته الدول الصديقة الى درجة ان الولايات المتحدة الاميركية بادرت الى سحب ذخائر من مخازنها وحولتها الى الجيش. وقالت المصادر إن لبنان قد اجتاز مبدئياً قطوع عرسال التي هي على طريق العودة الى أحضان الجيش. ووصفت الاتصالات الجارية مع عدد من الدول وخصوصا الخليجية بأنها في مجملها ايجابية، كما ان شبكة الوقاية الدولية حول لبنان لا تزال قائمة.

وفي اطار متصل طرح الوزراء سجعان قزي ورشيد درباس ومحمد المشنوق مسألة خروج مسلحين من مخيمات اللاجئين السوريين، فتقرر الطلب من الهيئات الدولية التي تشرف على هذه المخيمات ان تعالج هذا الوضع الشاذ، على ان يعمل المسؤولون على انشاء مخيمات حدودية لضبط أوضاع اللاجئين.

وفي شأن هبة المليار دولار التي قدمتها السعودية للبنان، أبلغ الرئيس سلام ان البحث جار عن آلية قانونية لكي يبدأ لبنان الاستفادة منها. أما هبة الثلاثة مليارات دولار التي قدمتها السعودية للبنان عبر فرنسا، فأوضح وزير الدفاع سمير مقبل أنها "مجمّدة" حالياً.

وقالت أوساط وزير الداخلية لـ"النهار" إن الاولوية حاليا للأمن، حتى انها تتقدم الانماء، موضحة ان التركيز هو الآن على انقاذ المخطوفين من الجيش وقوى الامن الداخلي ولا تراجع عن استعادتهم بكل الوسائل العسكرية والسياسية وحتى الدينية. ويمكن القول إن عرسال قد أنقذت وان المدنيين فيها هم اليوم في ضمان الجيش وحمايته.
وصرّح الوزير المشنوق لـ"النهار" ان المليار دولار الذي قدمه الملك عبدالله بن عبد العزيز للجيش وقوى الامن "دليل على عقل أستراتيجي لدى جلالته الذي اختار مباشرة ومن دون مواربة دعم الشرعية اللبنانية بكل أجهزتها".


وقال رئيس مجلس النواب نبيه بري امام زواره امس: "ما قبل عرسال ليس كما بعدها، واليوم عاد نحو 1800 لاجئ سوري الى بلدهم وهذه مسألة مهمة للغاية وسبق لنا ان طالبنا بعودة اللاجئين الى المناطق الآمنة في سوريا، وبُحَّ صوتنا بالمطالبة بعلاقات ديبلوماسية بين البلدين، فلنترجم ذلك. 

ومن الآن فصاعدا لا بد من التعامل مع مخيمات اللاجئين بطريقة مختلفة وعدم التساهل في هذا الموضوع بعدما تبينت علاقتها مع المسلحين". ورأى بري ان الامور في عرسال "لم تنته ويجب اتخاذ الاحتياطات المطلوبة لان ما حصل يمكن ان يتكرر في عرسال وغيرها من المناطق، وعلى الدولة ان تفتح عينيها جيدا على عرسال وان ينتشر الجيش في داخلها". وأضاف: "تبين ان أعدادا من العرساليين تعاونوا مع المسلحين، وسيأخذ القضاء مجراه ولا غطاء فوق رأس أحد". 

وسئل عما تردد من ان المسلحين يسعون الى مبادلة الاسرى العسكريين بسجناء في سجن رومية، فأجاب انه ضد أي شكل من أشكال التفاوض والمقايضة، وخصوصا مع سجناء رومية، قائلا: "ما أخشاه ان نكون أمام اعزاز جديدة". واستغرب بري عدم تقديم فرنسا اي طلقة من الهبة السعودية البالغة ثلاثة مليارات دولار على رغم انقضاء اشهر عليها "وما أخشاه ان تكون ضغوط وشروط توضع تحت السقف الاسرائيلي بمنع تسليح الجيش بأسلحة متطورة. وأعتقد ان المليار دولار الاخير المقدم من العاهل السعودي هو استدراك من المملكة لكون الهبة الاولى لم تنفّذ بعد".

صحيفة "الأخبار"

وتحت عنوان "عرسال خارج السيادة: التسوية المذلّة"، كتبت صحيفة "الأخبار" أنه "خرج المسلحون من عرسال. كانت قيادة الجيش تشترط انسحابهم من لبنان وتحرير الجنود المخطوفين، قبل وقف إطلاق النار. لكن السلطة السياسية منعت العسكر من القتال، وذهبت إلى التفاوض من دون ان تكون يدها على الزناد. والنتيجة الطبيعية لهذا الاداء، خروج المسلحين بأمان، وتحوّل الجنود المخطوفين ورقة للمساومة بيد المسلحين. إنها تسوية الذل".

وأضافت "أطلقت بعض وسائل الإعلام قبل أيام اسم «السيف المصلت» على العملية العسكرية التي يخوضها الجيش ضد المجموعات الإرهابية التي احتلت بلدة عرسال، واعتدت على مراكزه. الجيش لم يتبنّ التسمية. لكن يبدو أن السلطة السياسية أخذت بها، ومنحتها للمسلحين الذين ينتمي معظمهم إلى «تنظيم القاعدة» في سوريا («جبهة النصرة») و«داعش». فهؤلاء المسلحون صاروا، بعد خروجهم من عرسال إلى جرودها، سيفاً مصلتاً على البلدة، يهددون بالعودة إليها متى شاؤوا.

بيان «جبهة النصرة» في القلمون، الذي صاغه أميرها «أبو مالك التلّيّ»، أراد القول إن «الأمر لي» في جرود عرسال. حكم بأن اجتياح عرسال كان خطأً، لا لأنه ضد المس بالسيادة اللبنانية، بل لأن البلدة البقاعية شريان حيوي لجماعته والجماعات الأخرى. ولا غرابة في ثقة «النصرة» بنفسها. فأداء السلطة السياسية في الأيام الماضية أدى إلى تثبيت الوقائع الآتية:

1- مُنِع الجيش من القتال، إلا لاستعادة مواقعه التي احتلها المسلحون. دفعت المؤسسة العسكرية ثمناً كبيراً نتيجة الاعتداء عليها، وخلال القتال لاستعادة المواقع والحواجز المحتلة. لكن الثمن الأكبر كان في صورتها ودورها الذي كبّلته السلطة السياسية، نتيجة المفاوضات التي أدارها رئيس الحكومة تمام سلام وفريق تيار المستقبل في الحكومة، بواسطة هيئة العلماء المسلمين. صحيح أن «الزجل السياسي» الداعم للجيش تُرجم بـ«مكرمة» سعودية قدرها مليار دولار لدعم جهود مكافحة الإرهاب. 

لكن هذا الدعم بدا مشروطاً بعدم استخدامه. وتحوّلت عرسال إلى منطقة خارج السيادة اللبنانية، وبات مسلحو «النصرة» و«داعش» قادرين على التهديد بدخولها ساعة شاؤوا. بيان «النصرة» كان واضحاً لناحية منح «الجبهة» نفسها دور «حامي عرسال»، وعلى واقع البلدة كمحمية لـ«الثورة» السورية.

2- تشير المعلومات الأمنية، وبيان «النصرة» وما تبلّغه الوسطاء من الخاطفين، إلى أن جنود الجيش وأفراد الأمن الداخلي المخطوفين باتوا رهائن بيد «النصرة» و«داعش»، بهدف مبادلتهم بموقوفين ومحكومين بتهم الإرهاب في السجون اللبنانية والسورية. الأمل الوحيد الذي يعاكس هذا الواقع لا يصدر عن جهد تبذله الحكومة اللبنانية ولا وسطاؤها، بل نتيجة رغبة الشيخ العرسالي مصطفى الحجيري (أبو طاقية) بتسوية أوضاعه في لبنان، كونه مطلوباً للقضاء بتهم عدة. وهذا الأمر يقتصر في أحسن الأحوال على استعادة الدركيين من دون عسكريي الجيش (راجع الإطار أدناه).

3- تركت عملية التفاوض جرحاً عميقاً في صورة المؤسسة العسكرية، لا أمام الجمهور، بل أمام ضباط وجنود كانوا يعبّرون، بوسائط مختلفة، عن تململهم مما جرى. وليس الحديث هنا عن متعطشين لتدمير بلدة لبنانية، ولا عن طالبي ثأر، بل إن جل ما يقوله هؤلاء يتمحور حول «الأداء السيئ للسلطة، والذي أدى إلى خروج المسلحين بأمان، ومعهم الجنود والعسكريون المخطوفون». لعل مداخلة شقيق المقدم الشهيد داني حرب عبر برنامج «كلام الناس» على قناة «أل بي سي آي» أمس، تلخّص في غضبها من السلطة السياسية ـــ وتيار المستقبل تحديداً 

4- ما يدور على ألسنة عسكريين وضباط كثيرين. واللافت أن أمنيين من مختلف الأجهزة الأمنية كانوا يتوقعون عدم الإفراج عن العسكريين. لكن السلطة السياسية أصرّت على المضي بعملية التفاوض من دون تعديل، ومن دون ضغط على الخاطفين. وطوال مرحلة التفاوض، قبلت السلطة (ضمنياً) والوسطاء بأن أي عمل عسكري يقوم به الجيش هو فعل اعتداء على أهالي عرسال.

5- إضافة إلى الحمل الثقيل الذي حملته المؤسسة العسكرية، دفع أهل عرسال ثمناً باهظاً. توترت علاقتهم بالنازحين السوريين في بلدتهم، وبالجيش نتيجة استشهاد مدنيين بقصف وإطلاق نار يتهمون الجيش بالوقوف خلفه، وبتيار المستقبل. رفضهم أمس قبول المساعدات التي أرسلها لهم الرئيس سعد الحريري أبلغ تعبير عن موقفهم.

على المستوى السياسي، بات واضحاً لدى مختلف القوى أن التسوية التي عقدت مع المسلحين هي لمصلحتهم. وحده تيار المستقبل يقول إنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان، بسبب وجود أكثر من 100 ألف مدني في عرسال. ويؤكد أكثر من مسؤول سياسي أن عدداً من المسلحين لا يزال في عرسال، لكن من دون حمل سلاح. ويرون أن السلطة التي كبّلت الجيش سابقاً ومنعته من القتال، ستكبّله مجدداً، وتمنعه من الضغط لاستعادة جنوده. 

وزير بارز كان يتابع تفاصيل المفاوضات قال لـ«الأخبار» إن المسلحين سيبقون في الجرود، وليس هناك إمكانية لدى الجيش للحاق بهم في تلك المنطقة الشاسعة. ثمة إقرار بعجز الدولة أمام المسلحين. وفي جلسة مجلس الوزراء، أمس، التي حضرها قائد الجيش، العماد جان قهوجي، قال الأخير إن الجيش «مستعد لتنفيذ عملية عسكرية في أقل من 24 ساعة إذا نال الضوء الأخضر». وتساءلت مصادر وزارية بارزة: «إذا كان البيان الذي أصدرته الحكومة واضحاً في وضعه القرار بيد الجيش والوقوف وراءه، فلماذا يطلب قهوجي غطاءً سياسياً؟». 

ورد المصدر الوزاري مؤكداً وجود «ضغط من تيار المستقبل عبر رئيس الحكومة تمام سلام، بمعزل عن باقي الوزراء، لمنع الجيش من الحسم في عرسال». وبحسب مصادر وزارية، فإن المسلحين طلبوا أمس ان يتضمن أي اتفاق نهائي شرطاً بعدم دخول الجيش بلدة عرسال، وبأن تكون البلدة خاضعة لإدارة مشتركة لبنانية ـ سورية. 

إلا ان رئيس الحكومة، وعلى ذمة اكثر من وزير، رفض هذين الشرطين. لكن لماذا لم يدخل الجيش عرسال طوال يوم أمس؟ تجيب المصادر: «كانت هناك خشية من وجود خلايا نائمة تفتعل اشتباكات مع الجيش بوجود المدنيين. سيدخل الجيش متى يقرر ذلك».

صحيفة "الجمهورية" 

الى ذلك، قالت صحيفة "الجمهورية" إنه "إندحرَ إرهابيّو «داعش» و»جبهة النصرة» من عرسال إلى جرودها، فالأراضي السورية، وذلك تحت ضربات الجيش الموجعة، وهم يجرّون أذيال الهزيمة والخيبة بعد إحباط مخطّطهم الإرهابي الذي يستهدف وحدة لبنان الترابية والبشرية، تاركين قتلاهم جثثاً متناثرة هنا وهناك، فيما دخلت القوى العسكرية البلدة واستعادتها إلى حضن الوطن، وبدأت قوافل النازحين السوريين إليها العودةَ المعاكسة.

واضافت "فقد بدأت عرسال أمس تستعيد عافيتها تدريجاً بعدما دحرَ الجيش الإرهابيين والتكفيريين إلى جرودها بفعل ضرباته لهم بلا هوادة، مُصمّماً على ملاحقة فلولهم وتحرير العسكريين المحتجَزين لديهم، رافضاً المساومة على دماء شهدائه، ومحصَّناً بغطاء سياسي وباحتضان شعبيّ واسع، ومدعوماً بمواقف دولية تساند معركته ضد الإرهاب، وبمساعدات عسكرية وأخرى ماليّة، وآخرُها هبة سعودية بقيمة مليار دولار.

وقد تمكّن الفوج المجوقل أمس من تحرير سبعة عناصر من قوى الأمن الداخلي كانوا يختبئون في منزل أحد الأشخاص من آل الحجيري، فيما بدأ نازحون سوريّون يغادرون الى بلادهم عبر نقطة المصنع الحدودية.

وعقد مجلس الوزراء أمس جلسة أمنية بامتياز، شارك في جانب منها قائد الجيش العماد جان قهوجي وعدد من قادة الاجهزة الامنية، وأكّد رئيس الحكومة تمام سلام خلالها «أنّ موقف السلطة هو الدعم الكامل للقوى المسلحة، ورفضُ أيّ تساهل مع مَن انتهَك سيادة لبنان».

واستمعَ المجلس من قهوجي الى عرضٍ لسير الوضع الميداني وصورة الوضع الإنساني في عرسال وجوارها، وما يقوم به الجيش والقوى الأمنية لدحرِ المسلحين وإعادة الأمن الى البلدة. وطمأنَ قهوجي الى أنّ الوضع في البلدة جيّد جداً، وأبلغَ الى مجلس الوزراء أنّ المسلحين انسحبوا منها عند الثالثة فجر أمس، وقال: «إنّ أسرى الجيش وقوى الأمن لم يكونوا أساساً داخل البلدة».

وكان مجلس الوزراء قرّر أمس تطويع 12 ألف عنصر بين ضابط ورتيب لمصلحة القوى الأمنية والعسكرية، حيث سيرفع عدد المتطوّعين إلى 4000 في قوى الأمن و500 في أمن الدولة و500 مفتش و500 مأمور في الأمن العام، إضافة إلى 5000 جندي في الجيش و 369 تلميذاً ضابطاً و200 تلميذ رتيب في الجيش.

وإلى ذلك، تابع سلام اتصالاته مواكباً الوضع في عرسال والتطوّرات التي شهدتها، وتحديداً ما يتصل بحجم العمليات العسكرية التي انحسرت بعد انسحاب المسلحين. واتّصل بعدد من القادة العرب والأجانب، وأبرزُهم الملك الأردني عبد الله الثاني وأمير قطرالشيخ تميم بن حمد آل ثاني ورئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان، وتشاورَ معهم في الأوضاع، خصوصاً الهجمة الأخيرة التي تعرّضت لها عرسال، وما يمكن أن تقدّمه بلادهم لمواجهة الإرهاب التي باتت مسؤولية دولية وإقليمية أكثر منها محلية.

وقالت مصادر مطلعة لـ»الجمهورية» إنّ العاهل الأردني كلّف وزير خارجيته ناصر جودة متابعة الموضوع مع نظيره اللبناني جبران باسيل ومع الحكومة، مبدياًَ استعداد المملكة لأيّ مساعدة في أيّ مجال، خصوصاً في المجال العسكري، فالأسلحة الأردنية التي يستخدمها الجيش الملكي الأردني هي نفسها التي يستخدمها الجيش اللبناني بنحو شبه شامل، وإنّ تبادلاً للخبرات العسكرية بين البلدين يُعتبر تقليداً مُتّبعاً منذ عقود.

من جهته، أكّد أمير قطر لسلام استعداد بلاده لتقديم أيّ عون في مختلف المجالات السياسية والعسكرية، ولتشكيل فريق سيكون على تواصل مع رئيس الحكومة لمواكبة كلّ الجهود المبذولة لدعم الجيش وكلّ المؤسسات اللبنانية التي ألقِيَت على عاتقها مسؤوليات تتجاوز قدرات اللبنانيين في مواجهة الأزمة الأمنية الأخيرة وما تعرّض له لبنان من اعتداء، وكذلك بالنسبة الى مواجهة كِلفة النازحين واللاجئين السوريين. وأكّدت المصادر أنّ أيّ شيء نهائي لم يتقرّر، لكنّ الإتصالات مستمرّة بكلّ الوسائل المتاحة، السياسية والديبلوماسية والعسكرية.

وقالت مصادر سلام لـ»الجمهورية» إنّه فوّض إلى قيادة الجيش التنسيقَ مع مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية ليكون العمل منسّقاً وبفعالية مطلوبة في هذه المرحلة الدقيقة، واطّلع على احتياجات المؤسسات العسكرية والأمنية قبل أن يوسّع اتصالاته مع القادة العرب.

وردّاً على مضمون بعض البيانات التي أصدرَتها المجموعات الإرهابية المسلحة، ولا سيّما منها بيان «جبهة النصرة» الذي طالبَ بضمانات لأهل عرسال، قالت هذه المصادر أن «لا علاقة لهذه المجموعات الإرهابية بأهالي عرسال، فهم مواطنون لبنانيون يحظون برعاية دولتهم والمؤسسات الأمنية والعسكرية والإغاثية وغيرها، وأنّ أيّ كلام منسوب الى هذه المنظمات لا يعني أيّ مسؤول لبناني ولا يلزمه بأيّ شيء في أيّ موقع كان، خصوصاً على مستوى الأجهزة العسكرية والحكومية».

وفي السياق نفسه، أكّدت المصادر أنّ الاستعدادات العسكرية واللوجستية اتُّخذت لانتشار الجيش وقوى الأمن الداخلي في عرسال وفي أيّ موقع يرى الجيش أنّه مناسب لإنجاز المهمة التي كُلّف بها، وتأمين سلامة أبناء البلدة والطرق المؤدية إليها والقرى المحيطة بها.

وأشارت المصادر إلى أنّ سلام تبلّغ أوّلاً بأوّل نتائج مساعي «هيئة العلماء المسلمين» على كلّ المستويات، وهو يواكب عملهم، وأنّ الساعات المقبلة ستحمل بشائر طيّ صفحة المخطوفين من عسكريّي الجيش وعناصر قوى الأمن الداخلي».

2014-08-08