ارشيف من :أخبار لبنانية
الـورقـة البـيـضـاء
جورج علم ، السفير
تحتاج القراءة الهادئة الى توضيح الكثير من المصطلحات الملتبسة قبل الوصول الى استنتاجات قاطعة حول التموضع السياسي الجديد «للقوات اللبنانيّة» وحلفائها المسيحيين في الفريق الاكثري، الا ان الخطوات التي تحققت لغاية الآن تنمّ عن نضوج في التخطيط، ودقّة في الحسابات، وبراعة في اقتناص الفرص، بدليل ان غالبية مرشحيها قد فازوا بجدارة في الانتخابات، وان الكتلة التي كان يفترض ان تضمّ خمسة قد بلغ عدد اعضائها ثمانيّة، وأن الخطاب السياسي لقائدها سمير جعجع يلقى المزيد من الآذان المصغية في صفوف اللبنانيين، وتحديدا المسيحييّن، وأدت الـ «إذا» الشرطيّة التي رفعها في وجه المرشّح لرئاسة المجلس النيابي نبيه بري الى 28 ورقة بيضاء بالتناغم والتعاون مع حزب الكتائب وبعض الاصدقاء والحلفاء الاكثريّين.
وتصطف كلّ هذه الحسابات في كفّة، ويوازنها في الكفّة الاخرى حضور فاعل لكتلة «القوات» داخل المجلس، مكّنها من اقتناص احدى امانتي السر، فيما يبقى السرّ مكتوما لتكشقه «معركة» التكليف والتأليف التي انطلقت شراراتها الملتهبة امس، من ساحة النجمة تحديدا، التي كانت دائما وأبدا ساحة البداية لكل ساحات المنازلات والمواجهات.
وتبقى «الساحة المسيحيّة» هي الاغنى من حيث المؤشرات، اولها ان كتلة الكتائب حملت اوراقها البيضاء بشفافيّة، ولم تباغت الرئيس بريّ او تمالقه، وكذلك فعلت كتلة «القوات». وما بين الكتلتين كان حضور لبطرس حرب، ودوري شمعون، وآخرين في قطاع الاكثريّة، وربما في صفوف اقليّة داخل فريق الاقليّة ايضا؟!.
وكانت الاوراق البيضاء معدّة بإتقان لتوجيه مجموعة من الرسائل باتجاهات عدّة، اولها ان غالبية الـ 28 هي مع بكركي، وتحت مظلّتها، والى جانب البطريرك وخطابه السياسي، الامر الذي يسمح بطرح علامة استفهام خجولة: هل تصبّ «كتلة الاوراق البيضاء» في خانة رئيس الجمهوريّة التوافقي لتدعيم موقع الرئاسة والدفاع عنها، خصوصا ان علاقة بكركي مع الرئاسة الاولى هي على افضل ما يرام هذه الايام؟.
والرسالة الثانيّة تتناول «التمايز» في المواقف داخل الفريق الاكثري، بعدما سلكت القيادات المسيحيّة سلوكا مغايرا لما اعلنه النائب سعد الحريري من تأييد غير مشروط للرئيس بري. فهل في الامر تكتيك ومناورة وعمليّة توزيع ادوار، ام بداية استقلاليّة في التعاطي مع الاستحقاقات من الآن فصاعدا، فيكون توافق او تمايز وفق نوعيتها وأهميتها؟!.
أما الثالثة فبرسم العماد ميشال عون وسليمان فرنجيّة ومسيحيي الاقليّة، وتتجاوز معادلة الأحجام والأوزان الى الموقف النابع من الدرس والتخطيط اولا، والمعبّر عنه بخطاب سياسي هادئ وهادف الى تسويقه ليكتسب القاعدة الشعبيّة المؤيدة والمؤازرة، الى التكتيك كأسلوب يؤدي في نهاية المطاف الى وضعه موضع التنفيذ.
وتخرج المعارضة من ساحة النجمة امس اكثر تماسكا، وربما اكثر اصرارا على النزول الى ساحة التأليف بجهوزيّة كاملة، وبدفتر واضح من الشروط او المطالب، الا ان الشظايا التي بقيت في ارض المعركة يوم امس قد كشفت نوعيّة كل الاسلحة المستخدمة، وبالتالي لا يمكن حصر التفوّق من الآن فصاعدا (وحصرا عند القيادات المسيحيّة) بفريق وحجبه عن الآخر إلا بمقدار ما يأتي به هذا الخيار او ذاك من فوائد لتعزيز موقع الرئاسة الاولى او من اضرار قد تنال من الحصّة الوازنة للرئيس في الحكومة الجديدة.
... وتبقى الكرة في مرمى العماد عون وحلفائه: هل من اصرار على النسبيّة، والثلث الضامن او المعطّل؟، ام يلاقي الفريق المسيحي الاكثري لدعم الصوت الوازن للرئيس؟!.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018