ارشيف من :أخبار لبنانية
جرود عرسال: الأهالي يطالبون بانتشار الجيش
سعدى علوه - صحيفة "السفير"
كانت الساعة تقارب الثانية والنصف من بعد منتصف ليل أول من أمس، عندما استيقظ، أحد أبناء جرود عرسال على حركة في قلب مزرعته. حمل الرجل بندقيته وتوجه مع اثنين من عماله إلى حقل البندورة القريب. كان أربعة مسلحين يسرقون خضاره. لم يطلق النار طبعاً، طلب منهم فقط أن لا يكرروا فعلتهم، وأن يأتوا نهاراً إذا أرادوا أي شيء «نحن منقطفهم ومنعطيكم إياهم بلا ما تكسروا لنا مزروعاتنا».
ليس حباً بالمسلحين، هو فقط لا يمكنه أن يفعل أكثر من ذلك «إذا وصل مسلحون بكامل عتادهم ليقطفوا خضارك.. ماذا يمكنك أن تفعل أنت الوحيد في مزرعتك في قلب الجرود؟»، يقول.
تشبه حادثة هذا المزارع العرسالي ما حصل مع أحد أبناء بلدته (لن نذكر اسمه حرصاً على حياته مع عائلته) خلال المواجهات التي حصلت في عرسال بين الجيش والإرهابيين. كان أبو كمال (اسم مستعار) يستقبل في منزله ثلاث عائلات من النازحين الذين هربوا من عرسال. عبر مسلحون بالقرب من منزله فتبين أن عرسالية نازحة تعرفهم فدعتهم إلى فنجان قهوة. خرج ابن أبو كمال البكر، وطلب من المسلحين عدم دخول منزله. سحب مسلحان سلاحهما وأقسم أحدهما بـ«حق الكعبة» أنه سيقتله. غطى بعض النازحين بأجسادهم ابن مضيفهم وامسك الآخرون بالمسلحيّن حتى ابتعد ولدا أبو كمال عن أنظارهما. يعلق أحد ابناء الجرد العرسالي على الحادثتين بالقول «نحن لا نمون على أرزاقنا هنا وقد نقتل لرفضنا دخولهم إلى منازلنا»، كما حصل مع عائلة أبو كمال.
تبدأ جرود عرسال جغرافياً بعد حواجز الجيش اللبناني التي تزنر البلدة. هذه الجرود هي التي انسحب عبرها المسلحون نحو الجرود السورية التي تقع خارج سيطرة الجيش النظامي السوري، كما كان مفترضاً. لكن في هذه الجرود عينها، لا يملك أهل عرسال الكثير ليفعلوه في وجه الغرباء الذين يسرحون ويمرحون في جرودهم الواسعة. تشكل عرسال وجرودها نحو واحد على 22 من مساحة لبنان.
يقسّم مختار عرسال عبد الحميد عزالدين جرود عرسال إلى ثلاثة أقسام «الواطي والوسطاني والعالي». وهي أراض لم ينتشر فيها عناصر الجيش اللبناني الذين يتواجدون على ست حواجز على أطراف البلدة.
وتقع حواجز الجيش في وادي الرعيان، وعقبة الجرد، ووادي عطا، ووادي الحصن، ووادي حميد والمصيدة، بالإضافة إلى حاجز عين الشُعب في رأس الطريق من اللبوة إلى مدخل عرسال، ونقطتهم الرئيسية في حي المهنية. وإلى خارج عرسال، وتحديداً الجرد العالي.
جغرافية الجرد
يتكون الجرد «الواطي» من مناطق جوار الشيح ووادي الرعيان ووادي حميد والمجّر وشبيب والعجرم وسرج الغنم.. فيما تعتبر مناطق الرهوة، ووادي الخيل وخربة يونين وخربة داوود من الجرود «الوسطانية»، أما الجرد العالي فيحتفظ بالحصة الكبرى من المساحات والجبال الوعرة. وتعتبر مناطق وادي الديب، وشميس الحمرا، ووادي الحقبان، وعين فيق، ووادي الهوا، ووادي عويس، وورا الصعدة، وتلاجة البريّج، والكشك وقلعة بو طاقية، من أبرز مناطقه، وبالتحديد في مثلث الناحية الشمالية الشرقية حيث تدور المعارك في الجرود.
نحن نتحدث هنا عن مساحات شاسعة من الأراضي، حيث تبعد شميس الحمرا مثلاً في الجرد العالي أكثر من 35 كيلومترا عن عرسال البلدة. تتصل شميس الحمرا بطلعة موسى التي تقع على مثلث الحدود الجردية بين نحلة وسوريا وعرسال، يبلغ ارتفاع طلعة موسى 2739 متراً عن سطح البحر وهي ثاني أعلى قمم السلسلة الشرقية بعد جبل الشيخ.
تتصل الجرود العليا بجرود رأس بعلبك التي تحد جرود القاع. هناك في جرود عرسال العليا يتمركز المسلحون، كما في جرود حورتا وسرج الدبس في أعالي رأس بعلبك ووادي بعيون في جرد القاع وفي نعمات الفوقا (جرود جوسيه) وصولاً إلى جرود الحسية في ريف حمص. يقول المختار عزالدين أن هذه المنطقة الجردية الكبيرة تزخر بالكهوف والهضاب وفيها مساكن للرعاة وبعض المزارعين.
يوميات من الجرود
بينما كانت عرسال تعيش نهاية أسبوع أقرب ما تكون إلى «الطبيعية» بعد طرد المسلحين الذين احتلوها نحو الجرود، وانكفاء الذين خرجوا من تجمعات المسلحين في البلدة، بدت الأمور في جرد عرسال على حالها الذي كانت عليه قبل المواجهات تقريباً.
وبينما شهدت عرسال انخفاضاً ملحوظاً في زحمة السيارات الرباعية الدفع و«البيك آبات» التي كانت تجوب شوارعها ليلاً نهاراً، فيما تجنب النازحون الخروج من تجمعاتهم بكثافة، عاش المسلحون أوقاتاً شبه طبيعية، وخصوصاً في الجرود الوسطانية، وتحديداً العالية، وإن تجنبوا إظهار سلاحهم في الجرود المنخفضة.
ليست الأمور في الجرود كما كانت عليه سابقاً لناحية آلاف النازحين الذين يسكنونها مع المسلحين. تحولت معظم الخيم من «نايلون» وشوادر إلى غرف إسمنتية، سواء بناها عراسلة وقاموا بتأجيرها إلى نازحين أو استأجر نازحون أراضي وبنوا عليها غرفهم الخاصة. المهم أن هؤلاء يتصرفون وكأن الأمور لن تنتهي قريباً. كما نشطت بعض مزارع الدواجن نظراً لليد العاملة السورية المتوفرة بكثرة.
الجرود خلال المواجهات
لم تعرف الجرود مواجهات على غرار ما حصل في عرسال، مما حولها إلى مقصد النازحين من أهالي عرسال والسوريين، وخصوصاً بعد إقفال طريق عرسال نحو اللبوة وخروج آلاف النازحين من البلدة عبر الجرود فـ«تنية» رأس بعلبك وصولاً إلى الطريق الدولية في البقاع الشمالي ومنه إلى المناطق اللبنانية كافة.
يروي أبو ربيع البريدي بعضاً من يوميات الجرود خلال المواجهات. «جاء النازحون السوريون بالمئات إلى منطقة صفا الأقرع وشبيب»، القريبة من مزرعته. كانوا «كمن وقع في البحر، أراد جزء كبير منهم العودة إلى سوريا لكنهم لم يتمكنوا من ذلك». حمّل جزء كبير من النازحين السوريين «مسلحي القصير» بالتحديد مسؤولية ما حصل في عرسال. قالوا إن الجيش اللبناني لم يعتد عليهم في أي يوم من الأيام «كانوا يعبرون على حواجزه ويعودون من دون أي مضايقات»، كما نقلوا إلى أبي ربيع. قارنوا بين المعاملة التي كانوا يتلقونها على حواجز بلدهم وبين معاملة الجيش ليقولوا «عاملنا كما عامل ناسه وأهل بلده». وكان جزء كبير من النازحين منزعجين لما حصل لعرسال «البلدة حضنتنا ولم تبخل علينا بشيء».
وعليه، شهدت طريق الجرود نحو عرسال نهاية الأسبوع حركة معاكسة. كانت السيارات و«البيك آبات» والتراكتورات تنقل عائلات مع أثاثها نحو البلدة. على خط مواز كان مسلحو الجرود يتابعون حياتهم وتلبية احتياجاتهم. نزلوا إلى الجرود الوسطانية والمنخفضة يملأون خزانات مياهم على آليات من دون نمر. قصدوا مزارعي الخضار للحصول على احتياجاتهم، فيما لا يمكن منع تدفق المواد الغذائية من عرسال نحو الجرود بسبب وجود آلاف النازحين فيه.
نفور عرسالي من النازحين
اليوم عاد معظم النازحين إلى عرسال، ولكن ماذا بعد؟.
يعود أبو ربيع بالذاكرة إلى مخيم تل الزعتر حيث كان يعيش إبان الحرب الأهلية «بالأول كان التحري من الأمن اللبناني يهز المخيم. بعد اتفاق القاهرة وسطوة الكفاح المسلح صار اللبناني يخاف الفلسطيني ولا يجرؤ على مخالفته». يقول أبو ربيع إن حال أهالي عرسال اليوم لا يشذ عن هذه القاعدة «بعض السوريين يهددونهم بالمسلحين، وهم (أي العراسلة) لا يمكنهم مواجهة المسلحين، كما أن بعض النازحين يستقوون على بعضهم البعض بالمسلحين».
خلال المواجهات، كان أبو ربيع يروي مزروعاته في «الشميس» (وهي الجهة المطلة على مشرق الشمس في أرضه لناحية حدود جرود الفاكهة). بعد قليل صعد مسلحون التلة من قربه نحو أرض الفاكهة ونصبوا موقع لمراقبة الجيش اللبناني. يقول ابو ربيع إن «لا شيء تغير بعد ما حصل سوى رد فعل الناس، هناك نفور عرسالي من النازحين يصل إلى حد العنصرية عند بعضهم».
مسلحون يسيطرون على الجرود
يتدخل مواطن عرسالي يملك أرضاً في الجرد الأعلى ليقول إن العراسلة «ما زالوا عاجزين عن الذهاب إلى أراضيهم ومزارعهم في الجرود، وخصوصاً الوسطى والعليا». ذهب موسم الأشجار المثمرة ومعه موسم الخضار, لا يمكن أن تتوقع الشرّ الذي يأتي منهم، هم مجموعة بلطجية ومبتزين وليس لديهم أخلاقيات أو روادع».
يقول خالد البريدي، الذي يملك مقلعاً في الجرود العرسالية وتوقف عن استثماره، إن الجرود «تفتقد للأمان الحقيقي» ليطالب بخروجهم من جرد عرسال وانتشار الجيش اللبناني وسيطرته عليها كما على البلدة. يرى أنه على الدولة أن تأخذ دورها، وليوقف السياسيون الغطاء عن هكذا مجموعات، وليدعموا الجيش ويعطونه الضوء الأخضر من دون أي أمن بالتراضي للتصرف بما يجب». ويتمنى البريدي على قيادة الجيش «إعطاء الأوامر للعسكريين بإطلاق النار على أي شخص يهدد أمنهم، وأن لا ينتظروا وقوع الاعتداء عليهم ومن ثم الأوامر بالرد». ويطالب باسم العراسلة بإقفال كل المعابر التي كان المسلحون يستخدمونها للدخول إلى البلدة والخروج منها، والتعامل مع أي مسلح في البلدة وأي حالة شاذة فيها بحزم، ليقول إن «لا خلاص لعرسال إلا بإمساك الجيش اللبناني، وليس أي قوى أمنية أخرى، بأمن عرسال بالكامل، ومن ثم السيطرة نهائياً على جرودها».
الجيش وعرسال
ويختم البريدي بالقول إن حسابات المسلحين «لم تتطابق مع ما آلت إليه مواجهتهم مع الجيش. بالنسبة إليه، اعتبر المسلحون أنه بإمكانهم السيطرة عسكرياً وبسهولة على مواقع الجيش، معتقدين أنهم سيجدون بيئة حاضنة ومتعاطفة في قلب عرسال». ولكن حصل عكس ذلك «تمكن الجيش من استعادة المبادرة، برغم تجنبه قصف عرسال بأحيائها ومنازلها وسكانها، فيما وصل رفض العراسلة للمسلحين، ووقوفهم مع الجيش إلى حدود تشكيل لجان من شباب عرسال للوقوف بوجه المسلحين. وعليه، وفق البريدي، «فشل مخططهم بالسيطرة على المنطقة للهجوم على القرى في محيط عرسال وإشعال حرب مذهبية».
يؤيد أحد أبناء عرسال كلام البريدي مشيراً إلى انه كان أحد الرجال الذين حرسوا بعض الأحياء العرسالية «حتى أن معظم العراسلة كانوا يرصدون مواقع المسلحين ويبلغون الجيش عنها».
يذهب عرسالي آخر إلى ابعد من ذلك حين يقول جازماً «هناك أربعة مسلحين قتلوا برصاص عرسالي من داخل البلدة، ولو استمرت المواجهات لخرجنا بالمئات لقتالهم ولكننا لم نرد إرباك الجيش».
وأنت تعبر من عرسال نحو الجرود ومنها إلى عرسال، يمكن سماع التحيات العرسالية إلى الجنود القابضين على زناد بنادقهم «الله يحميكم يا وطن»، يقول عرسالي من هنا، فيما يؤكد أخر»أنتم تاج راسنا»، ويصر الأطفال من بينهم على تأدية تحيتهم المتواضعة من قلب سيارات ذويهم.
بعض المحبة وتمتين أواصر العلاقة بين الجيش وأهالي البلدة تبدت ايضاً في الورد والأرز الذي نثره الناس يوم السبت على قوة من الجيش توجهت من غرب البلدة إلى شرقها في فترة قبل الظهر وبعده.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018