ارشيف من :أخبار لبنانية
هيئة التنسيق والإضراب كأداة مطلبية
ناصر قنديل - صحيفة "البناء"
ظهر الإضراب كأداة مطلبية في أواسط القرن الثامن عشر، عبر قيام العمال بتنظيم انقطاع جماعي عن العمل، هادف إلى إفهام رب العمل بأنّ الخسائر الناجمة عن توقف حركة الإنتاج أكبر من الخسائر المرتبة على تلبية المطالب، سواء بزيادة الأجر أو بتخفيض ساعات العمل أو بالتعايش مع وجود تنظيم نقابي.
في القطاع العام التابع للدولة ظهر الإضراب في بدايات القرن العشرين، عبر الرسالة التي يوصلها العاملون للشعب بأنّ الفئة الحاكمة بتفويض منهم، تتوقف عن تأدية واجباتها الخدماتية، لأنها لم تنصف العاملين على تأدية هذه الخدمات.
في الحالتين رهان أصحاب الإضراب هو على الحساب الذي يجريه أصحاب القرار، سواء في القطاع الخاص أو القطاع العام، بين ميزان الأرباح وميزان الخسائر، والوصول لنتيجة مفادها أنّ تلبية المطالب أو التفاوض على تسوية، تؤدّي في النهاية إلى إعادة العمل في دورة الإنتاج بالنسبة إلى صاحب العمل الخاص، وعودة تأدية الخدمات بالنسبة للحكومة، وفي حالات نادرة يعمد صاحب العمل الخاص لصرف المضربين عن العمل واستقدام بدائل منهم لتأمين دورة إنتاجية متصلة وتأديب من يفكر لاحقاً بالإضراب، كما تعمد الحكومات نادراً إلى الاعتماد على قمع الإضراب أو استقدام وحدات من القوات المسلحة ذات قدرة على تأمين مواصلة الخدمة العامة لكسر الإضراب.
تطوّر العمل النقابي وحاز المشروعية، وصار الاستبدال جريمة والصرف جريمة، وصار الإضراب مشروعاً والنقابات شرعية والتفاوض حتمياً.
مناسبة الكلام طبعاً تتصل بالحاصل على مستوى تحرّك المعلمين والمياومين والمتعاقدين، المرتبط بالضغط لإقرار سلسلة الرتب والرواتب، حيث توقعت هيئة التنسيق النقابية أنّ اللجوء إلى الإضراب سيحرك لدى الحكومة أو لدى القوى الحاكمة دينامية ترتبط بالحرص على صلتها بالجمهور العريض، الذي ترتبط مصالحه الحيوية بما هدّدت ونفذت هيئة التنسيق بتعطيله، وهو نتائج الامتحانات الرسمية، التي تنازلت هيئة التنسيق مرة وقبلت المراقبة للامتحانات تحت شعار الحرص على مصير العام الدراسي للطلاب، وتركت أمر تصحيح الامتحانات مشروطاً بتحقيق مطالبها.
في حصيلة التحرك بدا واضحاً أنّ الرهان النقابي التقليدي على كيفية تفاعل الطبقة الحاكمة مع التحركات النقابية الضاغطة، لا ينطبق على الحالة اللبنانية، التي تتضمّن ثنائية قوامها، أننا أمام طبقة لا يرفّ لها جفن أمام الحراك الشعبي كما سبق وقال ذات يوم فؤاد السنيورة وهو رئيس حكومة يحاصره مئات آلاف المتظاهرين، وبالمقابل أننا أمام حالة شعبية ترتبط بقضايا مطلبية لكن مفعول الولاء الطائفي يفعل مفعولاً سحرياً في جعلها تخترع الأعذار لقياداتها وتجدّد موالاتها وإنتاجها، حتى عندما تكتشف وقوفها ضدّ مصالحها الحيوية.
الحصيلة تصير أنّ الشعب يضرّ الشعب، والحكم غير آبه، وغير منزعج وغير مرتبك وغير متأثر على رغم كلّ ما يجري، فيصير الإضراب عقاب يلحقه فريق من الشعب بفريق آخر.
هيئة التنسيق وسائر الأطر النقابية في دائرة اكتشاف عقم التحرك الضاغط بعد استسهال الحاكمين إصدار إفادات مدرسية بدلاً من الشهادة الرسمية، وأمام السؤال عن طبيعة التحرك القادر على تغيير المعادلة؟
السؤال هو هل كان يمكن لمن قبل بمراقبة الامتحانات أن يقبل بتصحيح نتائجها، وربط ذلك برسالة واضحة للطلاب والآباء والأمهات ولجان الأهل، مضمونها لأجلكم فقط سنقوم بالتصحيح، ولأنّ الحاكم لا يرفّ له جفن، فندعوكم في تشرين للوقوف معنا في تظاهرة شعبية مليونية لا تخرج من الشوارع حتى تحقيق المطالب، وتحديد موعد النزول المفتوح للشوارع ضمن الرسالة كيوم لبدء طوفان بشري يوقف دورة الحياة في البلد، بتشارك الأساتذة مع طلابهم وأهاليهم، بدلاً من أن يكون العقاب للطلاب وأهاليهم، والحاكم يظهر بمظهر المبتكر لحل إنقاذي؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018