ارشيف من :أخبار لبنانية
بين صواريخ «الطَّرق على السقف» وجرائم الحرب.. تحدٍّ لدولة فلسطين
حسين ابو حسين - صحيفة "السفير"
قبل أن تضع الحرب أوزارها، وقبل الوصول إلى التهدئة، بدأ الحديث يدور عن جرائم حرب اقترفها الجيش «الأكثر أخلاقية» في العصر الحديث. جيش لم يتوان عن إرسال تحذيرات مزعومة بهجماته المرتقبة لسكان غزة المدنيين دقائق قبل قصف بيوتهم، مرة عبر رسائل نصية منقولة عبر الهاتف الجوال، وأخرى من خلال صواريخ «الطرق على السقف»، وتدعو سكانها لإخلائها إلى أماكن آمنة.
ولما كان لهذا الموضوع إسقاطات وتبعات قانونية، فقد تبنت دائرة القانون الدولي في الجيش الإسرائيلي في حروبها الأخيرة على لبنان وغزة، موقفاً قانونياً مناهضاً لمبادئ قوانين الحرب والقانون الدولي. حيث اعتبرت أن «بنك» الأهداف العسكرية لا يشمل أهدافاً عسكرية تقليدية، كالقواعد والمنشآت والمقاتلين ومخازن الأسلحة فحسب، بل يشمل أيضاً أهدافاً مرتبطة «بالعدو»، حتى وإن لم تكن ذات صبغة عسكرية، مثل المؤسسات الحكومية وأماكن سكن القيادات السياسية ومرافق صحية وتعليمية، ما أدى إلى مقتل المئات من المدنيين. ليس هذا فحسب، بل شرَّعت الدائرة القانونية للجيش الإسرائيلي إمكانية قصف أحياء سكنية بالطائرات والمدفعية الثقيلة، ما أدى إلى تدمير شامل للضاحية الجنوبية في بيروت في حرب تموز 2006.
هذه الممارسة تكررت أيضاً في حروب اسرائيل على قطاع غزة وذروتها كان في الحرب الأخيرة، حيث دمرت آلة الحرب الاسرائيلية حيي الشجاعية وخزاعة بالكامل وعشرات آلاف البيوت في أماكن أخرى، وأدّت إلى نزوح قرابة نصف مليون فلسطيني في قطاع غزة.
ما من شك بأن جرائم إسرائيل في هذه الحرب فاقت كل خيال، حيث إنها شكلت انتهاكاً جسيماً لمبدأ التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، والذي يعتبر ركيزة أساسية في اتفاقيتي لاهاي وجنيف والقوانين العرفية، والتي تنص على مبدأ تحييد المدنيين، وتحظر المس بالمنشآت المدنية وتوجب اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة للحفاظ على حياة المدنيين والالتزام بشروط التمييز والتناسبية والإنسانية في تفعيل القوة العسكرية. كما يفرض هذا المبدأ واجب توفير الأمان والطمأنينة ويحظر الأعمال الانتقامية والعقوبات الجماعية.
مع دخول التهدئة حيز التنفيذ، تجاوز عدد ضحايا الهجوم الإسرائيلي 1855 شخصاً، معظمهم من المدنيين و10,000 جريح و1,2 مليون شخص باتوا من دون ماء وكهرباء وصرف صحي. كما أن الاعتداء على المرافق الطبية، كالمستشفيات والعيادات وسيارات الإسعاف ودور العبادة، تعزز ثبوت جرائم الحرب، ما يستدعي تحقيقاً دولياً مستقلاً، ليفضي لاحقاً إلى ملاحقة ومساءلة قانونية.
لقد ادعت المصادر العسكرية الإسرائيلية أنها استهدفت حي الشجاعية لأنه «قلعة» للصواريخ والأنفاق ومراكز القيادة، وأن المدنيين قد تلقوا تحذيرات بإخلاء المنطقة قبل أيام من مهاجمتها. بيد أن العديد من المدنيين في الشجاعية وغيرها من المناطق، لم يُخلوا منازلهم لأنهم لا يملكون أماكن آمنة للجوء إليها، وحين لجأ بعض السكان الى مدارس ومرافق «وكالة غوث اللاجئين» (الاونروا)، قامت إسرائيل بقصفها، مع العلم أنها أُعلمت مسبقاً بوجود مدنيين فيها من قبل موظفي الوكالة.
باعتقادي، ان آثار الجرائم الإسرائيلية قد خلقت تحدياً كبيراً أمام البشرية جمعاء وأمام المحافل القانونية في العالم، إزاء عدد الضحايا المدنيين وحجم الدمار والآثار البيئية والاجتماعية والصحية لهذا العدوان. إنّ هذه الآثار، إن دلت، فإنما تدل على وجود سياسة منظمة لدولة تقضي بالارتكاب المتكرر للأفعال المحظورة، والتي يُنظر اليها كجرائم دولية يمكن المحاسبة والمساءلة عليها أمام المحكمة الجنائية الدولية.
كما أن استخدام الأسلحة الجديدة مثل الدايم Dime، والذي يعتبر من الأسلحة الفتّاكة، حيث إنه يتسبب بالقتل وحرق وبتر الأعضاء وحتى بالسرطان خلال فترة قصيرة، واستخدام السموم والغازات الخانقة أيضاً، والتي تؤدي إلى حروق بالغة وإلى تشويه خلقي، تعتبر كلّها انتهاكاً جسيماً للقانون العرفي ولاتفاقيات جنيف الأربع لعام 49.
إن ساحة الجريمة المقترفة في غزة تشمل طيفاً واسعاً من الجرائم، قد توقع المسؤولية على القادة المدنيين والعسكريين في إطار المسؤولية القيادية، جراء تخطيطهم وإصدارهم أوامر الحرب وتنفيذها في الواقع.
وعليه، يجب على دولة فلسطين، التي صادقت منذ قبولها كدولة في الأمم المتحدة على العديد من المعاهدات الحقوقية، من دون إبطاءٍ أو تلكؤ، التصديق على نظام روما الأساسي وإيداع إعلان يقبل اختصاص محكمة الجنايات الدولية، تمهيداً لمقاضاة مجرمي الحرب الإسرائيليين على جرائمهم المتواصلة في غزة.
إن عناصر الجريمة متجلية في كل زاوية من قطاع غزة، وهذا هو الوقت والمكان الملائمان اللذان يفرض على دولة فلسطين اتخاذ قرار مفصلي وتاريخي فيهما بتقديم شكوى للمدعية العامة في هيئة المحكمة الجنائية الدولية والتعامل مع القضية المطروحة كقضية جنائية أممية.
كما أن منظمات العمل المدني، وعلى رأسها مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية، مطالبةٌ بالتوجه بطلب استغاثة إلى مؤسسات حقوقية عالمية لإرسال طواقم مختصة في الطب الشرعي وعلم السموم والأسلحة والذخيرة والهندسة والشرطة الجنائية ومختصين آخرين، لجمع الأدلة من مسرح الجريمة ولتدريب كوادر محلية للقيام بهذه المهمة، التي تحتاج إلى قوى بشرية مؤهلة وطواقم عمل ميدانية.
غولدا مئير، رئيسة الحكومة الاسرائيلية ابّان «حرب اكتوبر» 1973، قالت ذات مرة، إنها لن تغفر للفلسطينيين أنهم «يضطروننا إلى قتلهم». الآن، في العام 2014، يأتي الوزير السابق «يوسي سريد»، ويكتب في مقالة له نُشرت في جريدة «هآرتس» أنه لن يسامح الفلسطينيين لأنهم «أجبرونا أن نكون مجرمي حرب».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018