ارشيف من :ترجمات ودراسات
تاريخ الصهيونية
عن موقع Cercle des Volontaires
5 آب / أغسطس 2014
توجهت "حلقة المتطوعين" ( (Le Cercle des Volontaires إلى مدينة آنفير (بلجيكا) لمقابلة السيد شمييل موردوخ بورمان وزوجته السيدة هاداسا، وهما مناضلان كبيران ضد الصهيونية. وفي المقابلة دار الحديث عن تاريخ الصهيونية وعن اليهودية في كفاحها ضد الإيديولوجية الصهيونية.
شمييل موردوخ بورمان هو مدير حلقة دراسات تعنى بشؤون الحاخامية، دون أن يكون هو نفسه حاخاماً. وهو مناضل كبير ضد العقيدة الصهيونية ويرعى حالياً، بالتعاون مع "مركز الزهراء في فرنسا"، تحالفاً استراتيجياً ودياً بين اليهودية والإسلام لمواجهة الصهيونية.
في هذه الحلقة الأولى من المقابلة، يتوقف السيد بورمان أمام موضوعات تاريخ الصهيونية، وأسباب اهتمام الصهاينة بفلسطين، والأسباب التي أدت إلى طرد اليهود من الأراضي المقدسة.
ش. م. بورمان :
القول بأن "الدولة" الصهيونية، إذا جاز وصفها بالدولة، أو الكيان الصهيوني، قد تأسس عام 1948 في أعقاب الحرب العالمية الثانية لا يأخذ في الاعتبار غير التسلسل التاريخي للأحداث. فلو لم تقع هذه الحرب، كان من الممكن للصهاينة أن يقيموا دولتهم ربما بعد عشر سنوات أو عشرين سنة. الحقيقة أن جميع أحداث هذه الحرب سمحت لهم بأن يستولوا على القسم الأكبر من الغنائم.
إقامة الدولية هو الهدف المطروح فعلياً منذ بدايات نشوء الصهيونية. فالواقع أن الحركة الصهيونية كانت قد ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر في سياق مختلف الحركات القومية التي عرفتها أوروبا في تلك الفترة، وخصوصاً في النمسا-المجر. وليس من قبيل الصدفة أن تكون مدينة فيينا موطن تيودور هرتزل.
كانت غاية الصهاينة في البداية هي اتخاذ موقف مختلف، ولكن ضد الأديان مع تقديم شيء بديل عما وجدوه في القومية، وإلى حد ما أن يعرفوا بحركتهم كحركة تهدف إلى إقامة دولة كسائر الدول. وبالطبع، فإن ما ينبغي فهمه من تعبير "دولة كسائر الدول" أنها دولة كالدول الامبريالية في أوروبا الغربية. وذلك لأن هرتزل كان يطرح نفسه أمام الكبار في عالم تلك الفترة من خلال قوله : "إذا حصلنا على استقلالنا، أي على أرض لنا في فلسطين، فإننا سنكون حصناً في وجه البربرية الآسيوية". هذا يظهر لنا ما هي طبيعة الأفكار التي كانت تحرك الصهاينة. ففي الأوساط التي كانوا يعيشون فيها كان ذلك يشكل، نوعاً ما، طريقة طبيعية في النظر إلى الأمور، لأن جميع القوى الكبرى كانت تسيطر على مستعمرات وتتقاسم العالم، وكان الصهاينة يريدون لأنفسهم موقعاً مماثلاً.

العلم الاسرائيلي
وفي البداية أيضاً، وبالنظر إلى الحالة الاستعمارية السائدة، لم يكن هرتزل يريد حتى طرح مشروع دولته التي أسماها " دولة يهودية". لم يكن يريد حتى إقامة تلك الدولة في فلسطين، وكل الاحتمالات كانت مطروحة. وكان مشروعه يقضي بالاستقرار في إفريقيا، وكان هنالك المشروع يحمل اسم "مشروع أوغندا". ولكن هرتزل كان يطمع في الواقع بقطعة من الأرض في كينيا، ولم يكن ذلك يغير شيئاً على مستوى المشروع من حيث عموميته. وعلى ما تظهره كتاباته وما أدلى به من تصريحات في مختلف المؤتمرات الصهيونية، كان يريد أرضاً، ولكن المشروع لم يكن قد أصبح مرتبطاً بفلسطين حيث كان يمكنه أن يصنع ما يمكن تسميته باليهودي ذي الهوية المختلفة تماماً. كان يضيق ذرعاً بالجماهير الغفيرة من الفقراء الذين كانوا يهاجرون من أوروبا الشرقية إلى أميركا. كان يريد أن يصنع مواطنين على طريقته. وهنا لا بد من الإشارة الى أن اللغة العبرية الحديثة لم تكن قد وجدت بعد في أيام هرتزل. فمن أقوال هرتزل المعروفة قوله : "لا أعرف حتى كيف أشتري بطاقة سفر بالقطار إذا ما كان علي أن أطلبها باللغة العبرية". هذا يظهر الطبيعة المصطنعة للمشروع، وهي طبيعة مختلفة تماماً عما يظنه الكثيرون ممن يعتقدون أن المشروع الصهيوني هو امتداد لليهودية وبالأحرى للتلمود، وأن الصهيونية ، كما يقدمها، هي أمر ملزم لليهود، بينما هي ليست كذلك بالمرة.
ولكن، كيف خطرت للصهاينة فكرة الاستقرار في فلسطين؟ إن مبشراً مسيحياً هو من أوحى بها إلى هرتزل في السفارة البريطانية في فيينا. لقد نسيت اسم هذا المبشر، لكن ذلك لا أهمية له. المهم هو أنه أوحى إلى هرتزل أن اليهود إذا كانوا لا يبدون ميلاً في الوقت الحاضر نحو احتضان مشروعه، فإنهم سيميلون حتماً وبشكل عاطفي نحو تأييده منذ اللحظة التي يضع فلسطين في دائرة اهتمامه. وقد عقد هرتزل مؤتمره الأول (كان سينعقد في ألمانيا، ولكن اليهود الألمان طلبوا إلى السلطات أن تمنع انعقاد المؤتمر الصهيوني في مدينة ميونيخ ألألمانية، ولهذا عقد أخيراً في سويسرا). وفي هذه الأثناء، كان هرتزل كان قد نجح في استمالة اثنين أو ثلاثة من رجال الدين اليهود قبلوا الانضمام إلى حركته. ولكن الصهاينة من رجال الدين اليهود ظلوا يشكلون أقلية لفترة طويلة بعد ذلك.
إننا نعتمد في تعليمنا على أحد الأمثال الواردة في التلمود : " في البدء، كانت هنالك الأشجار وكان هنالك الحديد. ولم تكن الأشجار تخشى بأساً من الحديد حتى اللحظة التي تغلغلت فيها قطع من الحديد في قطع من الخشب. منذ تلك اللحظة فقط، بات على الأشجار أن تخشى الخطر الكبير". والأمر نفسه هو ما جرى مع الصهيونية التي تمكنت (بالمعنى الحرفي) من شراء قسم من اليهود المتدينين، وهؤلاء قاموا بتأسيس حزب ديني صهيوني. وكان هؤلاء من ذوي الأدمغة لا من الجهلة أو من اليهود الذين يقضون فترة بعد الظهر جلوساً في المقاهي للعب الورق. وكان هنالك في البداية حزب يريد لنفسه أن يكون معادياً للصهيونية. ولكن هذا الحزب، حزب آغودا، لم يلبث أن دخل في اللعبة عندما رأى أن الصهاينة قد بدأوا بالاستقرار في فلسطين حقاً وحقيقة. لم يشأ هذا الحزب أن يترك الساحة للصهاينة وحدهم فقرر الاستقرار هو أيضاً في فلسطين لكي يقوم بدور المعارضة. وقد يمكن الظن بأن ذلك كان فكرة عظيمة، لكنها لم تكن غير فشل كبير. فالبريطانيون كانوا هناك بانتدابهم على فلسطين وبازدواجية خطابهم : فهم يعدون بتقديم حل لهذا وحل آخر لذاك كما فعلوا عن طريق عميلهم لورنس العرب. فقد وعدوا قادة العرب ففي فلسطين بأنهم سيحققون مطالبهم بعد الحرب بإقامة جمهورية مستقلة في فلسطين، كما وعدوا الصهاينة بتحقيق مطالبهم وفق الصيغة المعروفة بوعد بلفور.
وطيلة فترة الانتداب، كان اليهود المناهضون للصهيونية في فلسطين يعارضون المشروع الصهيوني بدعم من الحكومات الغربية. فقد أصدرت عصبة الأمم التي نشأت عنها منظمة الأمم المتحدة فيما بعد، أصدرت مذكرة حذرت فيها من أن الصهيونية ستكون السبب في اندلاع أزمات خطيرة. وكان أحد القادة المناهضين للصهيونية، وهو يهودي هولندي يدعى " الصادق إسرائيل داهان" يشكل خطراً على الصهاينة، فقاموا باغتياله في القدس عام 1924. وبعد موت داهان ضعفت الحركة اليهودية المناهضة للصهيونية. وقد تبين أن المناهضين للصهاينة كانوا قد حصلوا من البريطانيين خلال فترة الانتداب على استقلال ديني يظهر بأنهم ليسوا على وفاق مع القادة الصهاينة، وأن هذا هو الحد الأقصى لما يستطيعون فعله. وبالطبع لم يكن ذلك غير مظهر من مظاهر الضعف.
وخلال فترة الاضطهاد النازي لليهود فيي أوروبا، قام الصهاينة بإشاعة الفكرة القائلة بأنهم هم من سيخلصون اليهود، وأن على اليهود أن يذهبوا إلى فلسطين. لم يكونوا يطلقون على الدوام اسم "إسرائيل"، لأن اسم إسرائيل الوارد في الكتاب المقدس يستخدم عندما يكون اليهود في وضع قوي وفي حالة انتصار، في حين يستخدم اسم "يعقوب" عندما نكون كما نحن الآن في التيه وفي وضع ضعيف. فيعقوب هو الاسم الآخر الوارد في الكتاب المقدس. لم يكونوا إذاً يتكلمون في تلك الفترة عن "إسرائيل"، ويكتفون بالكلام عن إقامة دولة يهودية. وعندما يتمكنون من إقامة تلك الدولة التي كان يسمونها " يهودية"، فإن سكان فلسطين الذين يعيشون فيها منذ القدم سيكون عليهم أن يبحثوا لأنفسهم عن مكان آخر، الأمر الذي يشكل وقاحة كبرى. لكن الوقاحة هي بالضبط ميزة العقيدة الصهيونية.
ونصل إلى السؤال "لماذا طرد اليهود من الأراضي المقدسة؟". لقد تم اقتياد اليهود إلى الأراضي المقدسة لكي يكونوا شعباً طاهراً و"أناساً يقومون بدور القدوة" ليبينوا كيف ينبغي لبني البشر أن يكونوا من أجل عودة الانسجام بين الخالق المقدس وبين خلقه. هذا ما كان ينبغي أن يفهم. ولكن للأسف، وبسبب الخطايا الكثيرة التي ارتكبها أجدادنا، فإن المشروع الذي كان قائماً على الكتاب المقدس قد فشل ولم يعد هنالك مجال إلا لواحدة من إمكانيتين : إما أن تزول الدولة اليهودية، وإما أن يزول اليهود أنفسهم. وفي عقيدتنا أن الخالق المقدس قد أشفق علينا قد سمح بزوال الدولة وبهدم الهيكل ولكنه منَّ علينا بالبقاء في التيه والشتات. وعلينا الآن أن ننتظر وأن نكفر عن خطايانا ونترقب مجيء المسيح ليخلصنا ويعيدنا إلى الاضطلاع بحمل رسالتنا، أي إلى الأمر الذي يشكل واجبنا الأول. وطالما بقينا في التيه، فإنه لا يحق لنا أن نتمرد على الأمم. بل علينا،عندما نكون في بلاد تظللنا بحسن المعاملة، أن نعترف بجميل السلطات التي تسمح لنا بأن نعيش بسلام حيث نحن وأن نمارس طقوس ديننا، كما تشملنا ليس فقط بنعمة التسامح معنا، بل تمنحنا فوق ذلك الحقوق والفرص التي تمنحها لغيرنا من المواطنين. إن التمرد على الأمم، وابتزازها بأصناف الحجج التاريخية بزعم أنها يهودية، ومطالبتها بأن تدفع لنا المال، وعدم الاكتفاء بما تدفع لنا... مخالف تماماً لجوهر اليهودية. إنه التطرف في المخالفة، وهذا يطيل أمد زمن التيه. لا يمكننا أن نخرج من التيه إلا بسلوكنا الذي على أساسه يرسل الله المسيح لإخراجنا من التيه. لا حق لنا بالتمرد قبل ذلك على التيه، وفي هذا بالضبط يكمن اللاتجانس بين اليهودية والصهيونية. فالصهيونية تريد إنهاء التيه بطريقة عبثية. فالتيه ليس جسدياً وحسب، بل إنه مفهوم روحي. لكن كل الصهاينة لا يفهمون ما هو روحي بالشكل الذي تنص عليه اليهودية.
هاداسا بورمان:
أحد مبادئ العقيدة اليهودية يقول بأن المسيح سيأتي، وفي هذا يكمن ضلال الصهاينة. أساس اليهودية هو، جزئياً، القبول بمبادئ الإيمان الثلاثة عشر كما حددها ابن ميمون. وفي حال عدم تقيد اليهودي بواحد من هذه المبادئ، فإنه يضع نفسه خارج الشعب اليهودي. أحد المبادئ هو انتظار المسيح بشكل يومي. لكن الصهاينة يقولون عن أنفسهم بأنهم يهود، ولكنهم يشكلون حركة سياسية وليست دينية. فهم لا ينظرون بعين الاعتبار إلى اليهودية ولا إلى واقع أن الله قد حكم على الشعب اليهودي بانتظار المسيح. وبذلك، فإنهم قد أنهوا التيه الذي ينبغي أن يعيشه اليهود عندما أقاموا هذا الكيان الصهيوني. إن مخالفة الحكم الإلهي أمر خطير جداً. إن تواجد اليهود بأعداد كبيرة في الأرض المقدسة أثناء فترة التيه هو أمر محرم، خصوصاً على الصهاينة الذين لا يعنيهم الشأن الديني. إنهم يفعلون كل شيء باسمنا، وتحريم تواجد اليهود بأعداد كبيرة في الأراضي المقدسة يعني أيضاً تحريم إقامة الدولة. من هنا، نجد أن الدولة الصهيونية هي بحق تجديف على الله، وهذا يلقي ضوءاً سيئاً على اليهود أنفسهم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018