ارشيف من :أخبار لبنانية
بعد مشروع نتنياهو: إلى متى السكوت عن الكذب؟
الامان - بقلم: د. علي عقلة عرسان
يكاد يكون شهر حزيران هذا العام شهر الخطابات الاستراتيجية، والانتخابات المفصلية، والتصريحات الاستفزازية التي تخفي وراءها مخططات وسياسات ينزّ منها الخداع والخبث، وتنغل بوباء التدخل والهيمنة اللذين يعلن سدنتهما أنهم لا يرغبون فيهما ولكنهم على أرض الواقع يتشبثون بذلك ويمارسونه بشراسة وتصميم، وينسقون فيه شراكة شريرة في ما بينهم.. فمن خطاب أوباما في القاهرة، إلى خطاب نتن ياهو في بارإيلان، ومن انتخابات لبنان إلى انتخابات إيران، ومن قرارات كوريا الشمالية إلى غضب الولايات المتحدة الأميركية.. نقف على أقوال وأفعال ونُذر ذات أبعاد سياسية وأمنية مستقبلية، وهي محطات ومؤشرات سلبية المردود على الأمن والسلم والتعاون بين الأمم، وعلى الجسور التي يدّعون أنهم يحاولون مدها بين الدول والشعوب لبناء الثقة وتصحيح الصورة وتغيير السياسات. ويبدو التنسيق الغربي - الصهيوني في تلك المواقع والمواقف تاماً، لا سيما ضد المقاومة العربية ومن يدعمها، وضد إرادة الفقراء في إيران الذين اختاروا مرشحهم للرئاسة، وضد كل من يحمل توجهاً مستقلاً عن المركز الغربي ويطالب الكيان الصهيوني بتعقل وعدل ووقف لجرائم الحرب وانتهاك حقوق الفلسطينيين.
وتأثير هذه العاصفة في منطقتنا على الخصوص لافت للنظر وباعث للتوتر والقلق ومثير للغضب إلى حد كبير، سواء من حيث من التوقعات والنتائج وردود الأفعال. ولافت أيضاً الترويج الإعلامي المنظم للمنطق الصهيوني الإرهابي العنصري الكريه الذي عبر عنه نتن ياهو بصراحة وقحة وجهل فاضح وعنصرية عدوانية مقيتة، ناطقاً باسم المؤسسات الرسمية والتجمعات اليهودية المحتلة لفلسطين التي يذهب بعضها إلى أبعد مما ذهب إليه حين لخص «الرؤية الصهيونية النهائية» لما يسميه «السلام؟!»، فأكد الآتي:
- يجب على الفلسطينيين الاعتراف حقيقة بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي.
- في كل تسوية سلمية يجب على كل أرض تقع تحت سيطرة الفلسطينيين أن تكون منزوعة السلاح مع ترتيبات أمنية صلبة لدولة إسرائيل. أي دولة من دون جيش، من دون سيطرة في الأجواء، ومع ترتيبات أمنية ناجعة تمنع دخول أسلحة إلى تلك المناطق.
- القدس عاصمة دولة إسرائيل تبقى موحدة عبر استمرار منح حرية العبادة لكل الأديان.
- موضوع الأراضي يبحث في التسوية النهائية.
وهذا المنطق الذي سمعناه مراراً وتكراراً، وردده رؤساء وزارة صهاينة تراجعوا عن بعضه في أوقات لاحقة، ما زال هو البعد الاستراتيجي الثابت للحركة الصهيونية بأطيافها، وهو منطق لا يبني سلاماً، ولا يقيم جسور ثقة، ولا يقدم ما ينقذ اليهودي من نفسه ومن حقده وغروره وغطرسته وشروره. ذلك لأن أبناء الشعب العربي، وفي مقدمته أبناء فلسطين الخلص المخلصين لقضيتم ووطنهم، يرفضون هذا المنطق جملة وتفصيلاً، ويعرفون أن هذا النوع من الاستعمار الاستيطاني لا يضع لوجوده حداً إلا القوة والمقاومة والتمسك بالحقوق مهما طال الزمن وكبُرَت التضحيات.. ولكن اللافت للنظر بقوة هو موقف من يحسبون على الأمة العربية ممن يُسمون «مثقفين، ومفكرين، وإعلاميين، وسياسيين، وإلخ»، ومن تنظيمات ذات ولاءات مشبوهة (...).
لقد استنفر أولئك في الداخل والخارج، واشتدت حملاتُهم مع اشتداد حملات أسيادهم على من يحمل روح الأمة ومبادئها وقضاياها ويقدم دمه لينير طرقها إلى النصر والتقدم الحق. ولافت على الخصوص استنفارهم في هذه الأوقات ضد المقاومة العربية ومن يدعمها، بتزامن ذي دلالة مع حملات الصهاينة والغرب عليها في شهر الخطابات والانتخابات والتصريحات الاستفزازية هذا.
لا نلوم أعداء الأمة في شدة عدائهم لها، فذاك هو العدو الذي لا ينتظر منه خير ولا شفقة، ولا نلوم الأدوات التي يستخدمها ثم يلقيها إلى مزابل التاريخ، فتلك الأدوات ارتضت لنفسها مكانة ودوراً وثمناً، وتاجرت بالوطن القيم والشعب.. وهي فئات معروفة ومكشوفة.. ولكنا نلوم المنتمين المخلصين الذين يكتوون بالنار ويدفعون ثمن العدوان عليهم والعبث بهم والإساءة لفكرهم وتاريخهم ووطنيتهم ومبادئهم، والإساءة إلى العدل الذي ينشدونه والدم الذي يريقونه على طريق قضاياهم العادلة.. إلى متى يبقى هذا الوضع، وإلى أي حد يمكن احتمال هذا الظلم، وكيف يستمر التزييف المستر للوقائع والنضال والحقائق والتاريخ؟.. وإلى متى يبقى الذئب والراعي ضد الخراف؟
إنا نتطلع بأمل إلى موقف المنتمين الواعين المؤمنين بأمتهم، الذين اختاروا المقاومة مدخلاً مشرفاً وطريقاً للنصر والاستقلال واستعادة الحق والكرامة، والعودة إلى وطن الآباء والأجداد فلسطين، التي يدّعي اليهود على لسان ممثلهم الجاهل بالتاريخ نتن ياهو وأمثاله بأنها لهم وأنهم لم يغادروها منذ ثلاثة آلاف وخمسمئة سنة!؟ من دون أن يسأل نفسه والإرهابيين الآخرين الذين معه من أين جاؤوا، وكيف جاؤوا إلى فلسطين؟ إن كل شيء يكذبه.. بما في ذلك التوارة التي يؤمن بها.. ففلسطين أرض الكنعانيين العرب الذين تعلم إبراهيم الخليل عليه السلام لغتهم وساكَنهم فيها، والقدس «يبوس» أسس بناءها اليبوسيون الكنعانيون العرب عام 3200 ق. م، ولم يغادروها أبداً ولا غادروا فلسطين أبداً، إلا من اضطر منهم في القرن العشرين إلى ذلك بسبب الإرهاب الصهيوني والمذابح المعروفة، بينما لم يسكن القدس يهودي مدة ألف وخمسين سنة متصلة، بموجب وقائع التاريخ؟ فأي جهل يتعالم، وأي كذب يستمر في التشويه والتزوير، وأي أداء سياسي استعماري يريد أي يفرض نفسه بالادعاء الكاذب، وأية «زعرنة» فكرية وتاريخية يقوم بها نتن ياهو الكذاب حسب قول كثرة في الكنيست التي هو منها، وأية مناصرة له ولأكاذيبه يقوم بها أتباع منهجه وعملاء كيانه من العرب، ويسكت عنها العرب المنتمون لأمتم وقضاياهم، والمكتوون بنار العدوان والخيانة والعملاء والمنبتين من أرضهم وتربتهم الثقافية والحضارية؟ وإلى متى الصمت على ذلك وترك هذا النوع من الزؤان يكتسح حقل الحقيقة والقيم في أرض الخير والرسل والقيم؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018