ارشيف من :أخبار لبنانية
إيران: لماذا اختُبِر النظام وكيف انتصر؟
صحيفة "السفير" - امين محمد حطيط
تابع العالم عامة والغرب بصورة خاصة الانتخابات الرئاسية في ايران وما أعقبها من أحداث تلت إعلان النتيجة التي شكلت تفويضاً شعبياً للرئيس أحمد ي نجاد لمتابعة سياساته التي أرقت الغرب، خاصة في المجال النووي، وفي الموقف من اسرائيل وحيال حركات المقاومة في المنطقة والعالم.
ورأى الغرب في الأحداث الإيرانية فرصة تغيير ما في إيران، قد لا يكون في حجم ما حدث مع «غورباتشوف الاتحاد السوفياتي» ولكن قد يكون من شأنه:
ـ نشر الفوضى والاضطرابات التي تشغل ايران بنفسها وتبعدها عن الملفات الإقليمية الهامة التي تعنيها أو يكون لها يد فيها، إشغال يمكن أميركا من تحقيق أهدافها التي اعتمدت لها استراتيجية القوة الناعمة التي تعفيها من استعمال جيشها لفرض سياستها، بعدما أخفقت في حروبها المستمرة.
ـ أو الضغط لإقامة حكومة قومية انطوائية تهتم بمعالجة الشؤون الداخلية الاقتصادية و الاجتماعية عملاً بشعار «.... اولاً» كما كانت «أريحا اولاً» و«مصر اولاً» الخ... حكومة ترى الأولوية للإنفاق خارج المجال النووي والعسكري، بما يريح الغرب من غير الحاجة الى الحرب أو العقوبات.
وتحقيقاً لهذا الغرض أعلن في الغرب شبه حالة طوارئ إعلامية ودبلوماسية بدأت مع المعركة الانتخابية الإيرانية وتستمر حتى الآن للتحريض، مستفيدة من واقع بعض الصعوبات المعيشية والفساد والإنفاق غير المجدي اقتصادياً (التصنيع العسكري وحركات المقاومة)، متعمدة تشويه صورة الرئيس نجاد واعتباره المتطرف غير السوي الذي يقود إيران الى الهاوية. واتفق ذالك مع طموحات ومصالح فردية داخلية سقط أصحابها في الفخ الغربي رغم انتمائهم وتجذرهم في النظام الإسلامي القائم منذ 30 عاماً، فتشكلت بذلك ظروف انطلاق حركات احتجاجية على نتائج الانتخابات، احتجاج تطور الى ما سماه البعض «بالثورة المضادة»، ورأى فيه وزير الشؤون الاستراتيجية الاسرائيلي موشيه يعلون «ثورة ستتوصل في نهاية المطاف الى تغيير النظام»، وأعقبه مَن تسرع بالحديث عن ايران ما بعد «نظام الملالي».
لماذا وقع ما وقع، وكيف اجتازت إيران الاختبار؟ وكيف ستتصرف بعد النجاح فيه.
وفي الرد نبدأ بالأسباب فنرى منها:
ـ الداخلي ذي العلاقة بتقنية الانتخاب وديموقراطية السلوك من جهة، أو المتصل بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة والمعطوفة على طموحات شخصية فردية أو جماعية من جهة اخرى.
الخارجي المتصل مباشرة كما ذكرنا بمصالح الغرب وقدرته الإعلامية والسياسية واستخدامه لناقمين أو إغرائه لطامحين. ولكن ذلك كله عجز عن ليّ ذراع النظام الذي أظهر قوته المستندة إلى العناصر التالية:
1) الأكثرية الشعبية الحاضنة: قد يُظن أن الحكم في ايران هو حكم الأقلية (الدينية) المستندة الى القوة القمعية، كما هي الحال في أنظمة العالم الثالث التي يأتي بها انقلاب عسكري ويخرجها آخر، ولكن الحقيقة بدت خلاف هذا الظن، وأصحاب النظام واثقون من ذلك، وهذا ما يثبته قرار اللجوء الى الانتخابات التي يكون مجرد إجرائها والقبول بمبدأ التنافس فيها إظهار للطمأنينة التي توحي بثقة النظام بنفسه لجهة امتلاكه الأكثرية الشعبية، ولو كان الأمر كما يتصور الآخرون، لما جازف النظام بإجراء انتخابات شعبية، ولكان استعاض عنها باستفتاء على الحاكم المفروض بالقوة واكتفى بمهزلة الـ«99,99%».
2) وجود القوة العسكرية الأمنية الفاعلة: لقد نظمت ايران أمنها الداخلي لحماية نفسها و نظامها بشكل دوائر أمنية متكاملة وتصاعدية التأثير، بحيث تتدخل الدائرة الأوسع عندما تتخطى المهام قدرات الدائرة الأضيق، ومع وجود «الشرطة»، و«البسداران» و«الباسيج» (أي قوى الأمن الداخلي، والحرس الثوري، والتعبئة الشعبية) نجد أن المنظومة العسكرية الفاعلة ذات القدرة على معالجة أي خلل أو اضطراب ترسي مبدأ كل مواطن خفير و«أمن الشعب يحفظه الشعب». فإذا كانت الأكثرية تريد النظام فإن الأكثرية نفسها تحفظ أمنه.
3) وجود المؤسسات الدستورية الناظمة للعلاقة بين السلطات في الدولة والتي من شأنها أن تستوعب أي رفض سلوكي وتخرجه من الشارع لتدخله في حضن النظام ذاته، وتفرغ حجة المعترض من قوتها التي قد تترجم فوضى شارعية.
4) اكتساب المناعة ضد العقوبات والضغوط الأجنبية: وقد اعتادت إيران على التعامل مع مثل ذلك من سنين، وباتت لا تخشى المزيد منه فانصرفت لمعالجة الأمر الداخلي دون أن تتهيب السلوك الخارجي حيالها.
5) التأثير الايراني في أكثر من دولة ومنطقة أو إقليم العالم، ويمكن للمتابع أن يتصور لجوء ايران الى تحريك أذرعها التي تؤذي بها الغرب في معرض دفاعها عن النفس، ومع ذلك لا يبدو أن ايران احتاجت لمثل هذا السلوك، لأنها لم تستشعر في الأصل خطراً جدياً على نظامها الإسلامي.
6) الشعور الديني والالتزام الحقيقي بـ«ولاية الفقيه». ونحن لا ننكر أن الإجماع على ولاية الفقيه أمر لم يتحقق حتى الآن لدى الشيعة وفقهائهم في العالم، اذ ان الكثير منهم لا يراها مناسبة لبلدانهم، خاصة ذات الديموغرافيا غير المتجانسة، ولكن في إيران تحديداً، نرى أن الغالبية المطلقة من الشيعة الإيرانيين اعتنقوا هذا المبدأ ورأوا فيه قوة لبلدهم. ولاية، إضافة الى مركزيتها في النظام السياسي الايراني، تجد من يعتنقها في السلوك العام التعبدي والسياسي معاً، وفي التقديرات المتقاطعة المصادر نجد أن القائلين بهذه الولاية والعاملين بها في ايران أكثر من الرافضين لها. وبموجب هذه الولاية جاءت خطبة الجمعة للإمام الخامنئي «الولي الفقيه» التي أمر فيها بالعودة الى مؤسسات النظام للاحتـكام لها ورفض اللجوء الى الشارع فوضع المحتجين أمام أحد أمرين: إما الرضوخ ويعني انتهاء الاضطرابات وتوقفها، أو الرفض ويعني خروج الرافضين ومواجهتهم للنظام، وتكون في رفضهم نهايتهم لما يملك النظام من قوة الدفاع عن نفسه. فأمر الولي حسم الأمر: إما أن تنهوا الفوضى أو أن تنتهوا، وهذا ما حصل فعلاً فانتصر النظام وأجهضت الحركة الرافضة لنتائج الانتخابات بكل تسمياتها الإصلاحية أو الثورية أو التغييرية، وولاية الفقيه أثبتت مرة اخرى أنها صمام أمان في إيران.
إنها مواطن قوة للنظام يبدو أن الغرب جهلها، أو تغافل عنها أو أساء التقدير بشأنها فأقحم نفسه في معركة يبدو أنها خاسرة، تلحق بنتائجها بالمعارك الخاسرة الاخرى التي نازل إيران فيها منذ 30 عاماً.
و بعد هذا نسأل عن وجهة النظام الإسلامي في ايران بعد هذا الاختبار؟ وهو سؤال تبرره مخاوف وطموحات شتى، نسأل لأن ايران قد تجد نفسها مع ولاية نجاد الثانية مدعوة الى:
أ) إعادة النظر ببعض المسائل الأساسية ذات العلاقة بكيفية الانتخاب وأصول التعبير عن الرأي، وهذا قد يشكل مدخلاً للتضييق على الحرية وضبط ممارسة الديموقراطية بحجة المصلحة الآنية التي تستدعيه، لكن ينبغي الحذر، فالمصلحة البعيدة المدى تناقضه، لهذا السبب ستكون ايران محكومة بالتصرف بين حدين: حد الحرية والديموقراطية فلا تفرط به، وحد الأمن والاستقرار فلا تتجاوزه، واذا كانت هناك ضرورة للضبط الموضعي المؤقت في عنوان ما فينبغي أن لا يكون استرسال في الشأن يذكر بما اعتادته دول العالم الثالث من «قوانين الطوارئ»، خاصة أن لإيران اليوم أن تفاخر بديموقراطيتها الإسلامية، وعليها أن ترفض الاستدراج للخروج عن هذه الديموقراطية، خاصة أن أعداءها يريدون لها ذلك لان في الديكتاتورية إجهاض للقدرات، بينما تشكل الحرية المنضبطة قوة للدولة، وبهذا نفسر «التخوف» المصطنع لرئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق «افرايم هاليفي» من سيطرة قمعية للحرس الثوري على النظام كلياً بعد نجاحه في حمايته.
ب) الاستفادة من قوتها التي أثبتتها مرة اخرى في مواجهاتها مع الغرب، سواءً على طاولات التفاوض، أو حقول التنافس، أو ميادين التهديد باللجوء الى القوة العسكرية، فإيران اليوم أقوى وعليها استثمار ذلك.
ج) ملاحقة الخلايا النائمة التي تديرها اليد الأجنبية والتي كشفتها الاضطرابات، اذ سيكون لإيران مصلحة كبرى في اجتثاثها، مع الاهتمام بشكل أكبر بالإعلام المعادي ومواجهته.
د) الاستفادة من الريف و الاهتمام بشكل أكبر بالسلوك حيال الطبقات الشعبية الفقيرة التي أثبتت مناعتها رغم فقرها، وأظهرت أن النظام الإسلامي لديها يتقدم على أي وعد بمنفعة أو مصلحة مهما كان حجم ذلك أو مصدره.
([) عميد ركن ـ لبنان
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018