ارشيف من :أخبار لبنانية

جدول الأعمال الإسرائيلي للنصف الثاني من عام 2009 على الساحة الفلسطينيّة

جدول الأعمال الإسرائيلي للنصف الثاني من عام 2009 على الساحة الفلسطينيّة

الامان - بقلم: عدنان أبو عامر  

أما وقد انقضى النصف الأول من عام 2009، ولم يبق منه سوى أشهر معدودة، فإن القراءات السياسية والتقديرات الاستخبارية الإسرائيلية، تشير بما لا يدع مجالاً للشك الى أنها ستكون فترة عصيبة على إسرائيل، وأشهراً شديدة التأثير على سنوات أخرى قادمة.

وقد دفع ذلك وزارة الخارجية الإسرائيلية, للمرة الأولى في تاريخها, الى القيام بمشروع وزاري لتقدير الموقف السياسي الاستراتيجي للدولة، الهدف منه تقدير الموقف وتشخيص تطور الاتجاهات, المحلية والإقليمية والدولية, من أجل بلورة توصيات للسياسة الخارجية الإسرائيلية.

الأمر الأكثر أهمية أن جدول أعمال هذا المشروع، تم توزيعه على القيادة السياسية والأمنية للدولة العبرية, بما فيها رئاسة الحكومة والوزارات ذات الصلة، والأذرع الأمنية, وشعبة التخطيط في هيئة الأركان العامة, وجهاز الأمن العام (الشاباك)، وهيئة الأمن القومي.

تقديرات استخباراتية للمنطقة

بداية لا بد لنا من عرض قدمه العميد «يوسي بيدتس»، رئيس دائرة الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروفة باسم «أمان»، حول تقديراته لتوجهات أطراف الصراع الإقليمي مع إسرائيل في المرحلة المقبلة الممتدة حتى نهاية العام الحالي.

وقد جاءت التقديرات على النحو التالي:

1- حركة حماس: أكد التقدير أن هدف حماس في غزة هو ترميم السلطة والبنية التحتية، وبالتالي فهي لم تنفذ أي عملية ضد إسرائيل، ومن يقوم بذلك حالياً في غزة هي تنظيمات أخرى.

وقد دخلت إلى قطاع غزة وسائل قتالية كثيرة، والحافزية لتهريب الوسائل القتالية ازدادت بعد عملية «الرصاص المصهور»، ليؤكد التقدير أن هناك تصميماً لدى السلطة الفلسطينية في رام الله على المضي في القضاء على حماس، ونشاط أجهزة السلطة يحظى بدعم عملاني من الجيش الإسرائيلي و»الشاباك».

2- حزب الله: ترى الاستخبارات الإسرائيلية أن لديه كمية كبيرة من الصواريخ، سواء شمالي نهر الليطاني أو جنوبيّة، ورغم أن الحزب كان يرى نفسه مكبوحاً بصورة مؤقتة بالنسبة لشن عمليات ضد إسرائيل، سواء بسبب الانتخابات النيابية، أو العامل الإيراني، إلا أنه مُصر على الانتقام لاغتيال عماد مغنية.

3- سوريا: لا تزال دمشق تنقل إلى حزب الله كثيراً من الحاجات، وثمة مصلحة سورية في التوصل إلى تسوية، والمهم بالنسبة لها المشاركة الأمريكية في مسيرة التسوية وإعادة الجولان.

4- إيران: حتى نهاية العام سيكون لدى إيران ما يكفي من المواد الانشطارية لإنتاج القنبلة النووية الأولى، مما جعلها مقلقة جداً بالنسبة لإسرائيل بسبب وتيرة تقدمها، ولديها صواريخ قادرة على الوصول الى فلسطين، و«الساعة الإيرانية» تتقدم على ساعة المحادثات الدولية.

سلة المخاطر الأمنية

1- الخطر الإيراني: «تنتصب» إيران كفاعل مركزي، فاستراتيجية الهيمنة الإقليمية التي تطورها وتنفذها هي المبلور الاستراتيجي البارز في المنطقة من وجهة النظر الإسرائيلية.

والخطر الإيراني بأبعاده الأربعة: المشروع النووي, ودعم المقاومة, وزعزعة الأنظمة العربية «المعتدلة», والخطر الأيديولوجي, كلها تواصل الوقوف في مركز جدول أعمال السياسة الخارجية الإسرائيلية خاصة أن تل أبيب ترى أن دعم طهران للمنظمات المسلحة في مختلف الجبهات: لبنان, وغزة, والعراق، وأماكن أخرى، مصدر إضافي للخطر, يستدعي رداً سياسياً أيضاً، حيث تبذل إسرائيل جهداً حثيثاً لإدراج الموضوع على جدول الأعمال العالمي, عبر الاستعانة بقرار مجلس الأمن رقم 1747, الذي يحظر تصدير السلاح الإيراني.

وهنا تقترح بعض الأوساط النافذة في إسرائيل لمواجهة الخطر الإيراني، البدء خلال الفترة القريبة القادمة بـ:

أ‌- «بلورة» معسكر عربي برغماتي ذي مصالح مشتركة مع إسرائيل.

ب‌- نجاح مساعي فرض الاستقرار الأمريكي في العراق.

ت‌- نافذة الفرص القائمة لاتفاقية سلام مع سوريا، ولتسوية مع المعسكر «البرغماتي» الفلسطيني.

2- معضلة حماس: يتلخص الهدف الإستراتيجي الإسرائيلي بالتوصل إلى تسوية سياسية «مستقرة» مع السلطة الفلسطينية, بموازاة تقويض سلطة حماس في قطاع غزة, أو على الأقل, إضعافها.

أما في غزة، فقد انصب الجهد الإسرائيلي، وسيبقى، على الهدف المركزي المتمثل بمنع انطلاق عمليات فدائية من هذا الشريط الساحلي، عبر صيانة موقف الأسرة الدولية بشأن شروط الرباعية الثلاث: كشرط لأي اعتراف أو «شرعنة لحماس».

وفي هذا السياق, جرت التوصية بتعزيز الدور المصري والدولي بشأن منع التهريب, ومساعدة الجهد الدولي لمنع حدوث أزمة إنسانية في القطاع، والتخفيف على حياة السكان، بشكل لا يترجم في تعزيز قوة حماس، وعبر التعاون مع مؤسسات السلطة الفلسطينية.

3- اللغز السوري: ثمة فرصة هامة متوفرة في الموضوع السوري، فالنظام كما تؤكد المحافل الإسرائيلية, أفلح في المناورة بين المعسكرين الراديكالي والبرغماتي, مع رغبته في التقارب مع الولايات المتحدة، والتفاوض من أجل تحقيق السلام مع إسرائيل.

وقد لاحظت حكومة إسرائيل السابقة هذه الفرصة, وشرعت بـ«محادثات عن قرب» مع سوريا بوساطة تركيا، وهو ما يمكن أن يخلق فرصة لتغيير سياسي من جانب سوريا، بشكل يسمح باستنفاد المفاوضات السلمية مع إسرائيل.

خيوط السياسة القادمة  

بعد تشخيص المخاطر الماثلة أمام إسرائيل خلال ما تبقى من هذا العام الذي انقضى نصفه الأول، بات يتطلب الأمر استراتيجية سياسية إسرائيلية تتضمن رداً مثالياً على تلك المخاطر، واستغلالاً واعياً للفرص, عبر تطوير الموارد, والقدرة على بلورة مشروعية ودعم إقليمي ودولي لخطوات إسرائيل المتوقعة.

د.عيران عتسيون، الرئيس السابق لشعبة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الإسرائيلية، قدم ما يشبه «خارطة طريق» إسرائيلية للتعامل مع تلك التحديات, ترتكز أساساً على ساقين: ساق الردع وساق التسوية، ففي مواجهة إيران وسوريا وحلفائهما كحزب الله حماس والجهاد الإسلامي وأشباهها, يتطلب الأمر سياسة ردع موثوقة ودائمة. علماً بأن ردع إيران يعبر أساساً عن تجسيد استراتيجية الهيمنة الإقليمية بكل مكوناتها, خصوصاً بشأن مشروعها النووي العسكري, والتحدّي المركزي لمجموعة الدول التي تترأسها الولايات المتحدة وبينها إسرائيل.

ويشير عتسيون إلى أن الردع يحتاج إلى استراتيجية تسوية, متجهة نحو تغيير أساسي طويل المدى، فالأطر السياسية القائمة، ومنها تفاهمات مدريد, واتفاقات أوسلو, وخريطة الطريق, ورسائل بوش, والمفاوضات التي أديرت في نطاق أنابوليس, والمبادرة العربية... كلها توفر قاعدة محتملة لبلورة استراتيجية تسوية إسرائيلية, سواء إزاء دول مثل سوريا ولبنان, أو إزاء الجهات البرغماتية في الحلبة الفلسطينية.

وعلى صعيد الوضع في غزة، تقترح التقديرات السياسية الإسرائيلية وضع استراتيجيتين منفصلتين للتعاطي مع حماس هناك، هما:

أ‌- الخيار العسكري: من خلال عمل حاسم لإسقاط حماس بالطرق العسكرية، والسيطرة على غزة، مع هدف نهائي هو نقل السلطة إلى كيان آخر هو السلطة الفلسطينية عندما تصبح الظروف مناسبة، واستناداً إلى هذا المنطق ينبغي لإسرائيل السعي إلى الدخول في أعنف مواجهة مع حماس للقضاء على حكومتها وعلى بنيتها التحتية.

ب‌- الخيار السياسي: وهو ما تسميه تل أبيب «ممر القرارات الصعبة»، التي تعترف بسيطرة حماس على غزة، وانتهاج استراتيجية سياسية لعزل الحركة وإضعافها، إلى أن تنهار بفعل الديناميات السياسية والاجتماعية الداخلية. واستناداً إلى هذه السياسة، ينبغي لإسرائيل والولايات المتحدة إيجاد سلسلة من التحديات أمام حماس تزيد من حدة مآزقها الداخلية والخارجية.

أما على صعيد الضفة الغربية، فهناك اقتراحات إسرائيلية متزايدة في الآونة الأخيرة تتمثل برفع مستوى السلطة الفلسطينية هناك إلى مصاف الاعتراف بها كدولة، على أن يتحقق التقدم من خلال جهد منهجي لبناء طاقات السلطة الفلسطينية وقدراتها ومسؤولياتها، إلى أن تصل إلى مستوى يمكن عنده الاعتراف بها «كدولة».

وقد تم فعلاً القيام بخطوات هامة في هذا الاتجاه السنة الماضية في ميادين: الشرطة، التخطيط والبناء، الصرف الصحي، التعليم، النقل، النظام القضائي والصحة.. لكن تحويل هذه النشاطات إلى «رفع لمستوى» السلطة الفلسطينية يقتضي القيام بعمل حاسم من جانب إسرائيل والولايات المتحدة لأنه يفترض تخطي منطق الاتفاقية المؤقتة وصياغتها.

أخيراً، ترى مراكز البحث الإسرائيلية على اختلاف توجهاتها أنه يتعين في أية استراتيجية جديدة ستنتهجها إسرائيل الأخذ بعين الاعتبار التغيرات الجوهرية التي حدثت في السنين الأخيرة، منها الأزمة السياسية والمؤسساتية الفلسطينية، الهوة العميقة بين غزة والضفة الغربية، إحكام حماس سيطرتها على غزة، والاعتراف الدولي التدريجي بحكمها، في ضوء ما ورد في خطاب أوباما الأخير، على الرغم من الجهود الإسرائيلية الرافضة، والقدرة المتنامية للسلطة الفلسطينية بالضفة الغربية على ممارسة ضبط الأمن بفاعلية من خلال ملاحقة خلايا حماس والمقاومة، والانتقاد الدولي الشديد أثناء عملية «الرصاص المصبوب» التي أدت إلى إضعاف موقف إسرائيل على الساحة الدولية.

2009-06-26