ارشيف من :أخبار لبنانية
خطاب نتنياهو: حرب أهليّة فلسطينيّة مقابل السراب!
موقع الامان - بقلم: صالح النعامي
لم يشذ خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتن ياهوعن التوقعات الْمُسَبَّقة بشأنه، فجوهره يُضْفِي صدقِيَّةً على ما أكَّدَتْهُ وسائل الإعلام الإسرائيلية بأن نتن ياهواتَّفَقَ مُسَبَّقاً مع قادة اليمين المتطَرِّف في حكومته على كل كلمةٍ وردت في الخطاب.
وهذا هو السبب الذي دعا قادةَ حزب «البيت اليهودي» الذي يُمَثِّلُ غلاة المستوطنين في الضفة الغربية إلى الإشادة بالخطاب وبـ «شجاعة» نتنياهو. وكما كان مُتَوَقَّعاً، فقد كان الخطاب مجردَ ضَرِيبةٍ كلاميَّةٍ دفعها نتن ياهوللإدارة الأمريكية بشكل خاص، بهدف التَّمَلُّص من استحقاقات التسوية السياسية للصراع، عبر محاولةِ إملاءِ قائمةٍ طويلةٍ من الشروط التعجيزية على الفلسطينيين، مقابِلَ الحصول على سراب. وقد اشترط نتن ياهواندلاعَ حرب أهلية فلسطينية طاحنةٍ قبل موافقته على مجرد التفاوض مع السلطة الفلسطينية. فقد طالَبَ نتن ياهوعباس باستعادة السيطرة على قطاع غزة، أي إسقاط حكم حركة حماس. بكلمات أخرى، وهو يُدْرِكُ أن تحقيق ذلك مُقْتَرِنٌ بنشوبِ حرب أهلية فلسطينية.
ويأتي هذا المطلب التعجيزي بعد أنْ كَرَّرَ نتن ياهومنذ بداية الخطاب حتى نهايته، مُطالَبَتَهُ الفلسطينيين سَبْعَ مرات بأن يعترفوا بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، وهذا المَطْلَبُ الذي يتحمَّسُ له ٍ قادةُ اليمين المتطرف في إسرائيل، يعني أنْ يُقِرَّ الفلسطينيون والعرب بحق إسرائيل في القيام بكل ما ترتئيه من أجل ضمانِ وجودِ أكثريةٍ ديموغرافية يهودية، وضمن ذلك التخلُّص من فلسطينيي 48، الذين يُشَكِّلُون أكثر من 20% من السكان في إسرائيل.
ونتن ياهوالذي تحدَّثَ عن رفض الشروط المُسَبَّقة، وضع عدة شروطٍ تُمَثِّلُ حسماً لنتيجة أية مفاوضاتٍ لتسويةِ الصراع مع الفلسطينيين في المستقبل.
فقد اشترط نتن ياهومُوافَقةَ الفلسطينيين على أن يتم حَلُّ قضية اللاجئين خارِجَ حدود فلسطين، أي أنه لن يكون هناك ما يمكن التفاوُضُ بشأنه، حَسَب منطق نتن ياهو. وقد تعاطَىَ مع قضية اللاجئين كقضية إنسانية على المجتمع الدولي التَّجَنُّد لحلها، لا شأنَ لإسرائيل بها.
مع العلم بأنّ قضية اللاجئين نشأتْ نتيجةَ قيام الجيش الإسرائيلي بارتكابِ مجازِرَ أدَّتْ إلى فرار مئات الآلاف من الفلسطينيين خلال حرب 1948 من مُدُنِهِم وقُرَاهُم.
وأخرج نتن ياهو القدس المحتلة من سياق أية مفاوضات، فهذه المدينة – حسب منطق نتن ياهو-ستبقى العاصمةَ الأَبَدِيَّة الْمُوَحَّدَة لإسرائيل، مع العلم بأنّ مدينة القدس أصبحتْ تُشَكِّلُ حوالى 15% من مساحة الضفة الغربية، بعدما ضَمَّتْ إليها حكوماتُ إسرائيل المتعاقبةُ العديدَ من المستوطنات منذ عام 1967.
ووجَّه نتن ياهو«صفعة مدوية» للرئيس أوباما، عندما شَدَّدَ على حق المستوطنين اليهود في البناء في المستوطنات بما يستجيب لمتطلباتِ النُّمُوِّ الطبيعي لديهم.
وقد حاول نتن ياهوهنا تضليلَ الأمريكيين, حيث تَعَهَّدَ بعدم مصادرة أراضي فلسطينية لإقامة مستوطنات جديدة عليها، لإدراكه أنه لا يحتاج إلى مصادرة أراضي فلسطينية جديدة من أجل تشييدِ المزيدِ من المستوطنات, حيث إن لإسرائيل احتياطيّاً كبيراً من الأراضي التي «صودِرَتْ بالفعل» من الفلسطينيين، والتي بإمكان إسرائيل بناءُ وحداتٍ سَكَنِيَّةٍ عليها تستوعب مئاتِ الآلاف من المستوطنين.
وحتى نُدْرِكَ حجم التضليل الذي ينطوي عليه حديث نتن ياهوعن الحاجة لتلبية متطلباتِ النُّمُوِّ الطبيعي لدى الفلسطينيين، فإنه يمكن الرجوع لمعطيات مكتبِ الإحصاء المركزي الإسرائيلي التي تُؤَكِّدُ أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية قَفَزَ من 110 آلاف عند التوقيع على اتفاقية أوسلو عام 1993 إلى 300 ألف مستوطن حاليّاً، وفي القدس المحتلة قفزَ عددُهُم من 80 ألفاً إلى 200 ألف.
بكلمات أخرى: إذا تم التسليم بمنطق «النمو الطبيعي»، فإن عدد المستوطنين اليهود قد يصل إلى مليون، وهذا يعني مضاعَفَةَ عدد المستوطنات والوحدات السكانية التي تَبْنيها إسرائيل في الضفة الغربية، التي وصفها نتن ياهوفي خطابه بـ «أرض الآباء والأجداد» مراراً وتَكْرَاراً.
وطالَبَ نتن ياهوبترتيباتٍ أمنيةٍ تَضْمَنُ لإسرائيل القدرة على الدفاع عن نفسها. وعلى الرغم من أنّ هذه المطلبَ فضفاضٌ، إلا أن نتن ياهوأوضحَ في مراتٍ سابقةٍ كثيرةٍ ما يعنيه بالترتيبات الأمنية, حيث يرى نتن ياهوأنه في أي تسوية على إسرائيل الاحتفاظُ بمنطقة «غور الأردن»، التي تُشَكِّلُ 20% من مساحة الضفة الغربية، فضلاً عن وجوب سيطرةِ الجيش الإسرائيلي على قِمَمِ الجبال في الضفة الغربية، إلى جانب الاحتفاظ بالأراضي التي تَضُمُّ مخزون المياه العذبة في الضفة الغربية. وإذا أضفنا هذه المساحاتِ للأراضي التي تتواجَدُ عليها المستوطنات، وجدار الفصل، والقدس، وما يحيط بها من مستوطنات، فإن هذا يعني أنّ ما تبقى لإقامة الدولة الفلسطينية أقَلُّ من 50% من مساحة الضفة الغربية، دون أن يكون هناك تواصُلٌ جغرافيٌّ بين المناطق التي يقْطُنُ فيها الفلسطينيون.
وبعد كل هذه الاشتراطات التعجيزية، فإن أقصى ما يَعْرِضُه نتن ياهوعلى الفلسطينيين هو دولةٌ بدون أيِّ مَظْهَرٍ من مظاهر السيادة التي تتمتع بها الدول. وكما أوضح نتن ياهوبجلاء، فليس من حَقِّ هذه الدولة السيطرةُ على حدودها مع جيرانها، ولا حَقَّ لها في إدارة معابرها الحدودية، فضلاً عن وجوب تجريدها من السلاح، وحِرْمانِها من إقامة علاقات خارجية بشكل حرّ، بحيث يكون لإسرائيل الحقُّ في الاعتراض على الدول التي تُقيم هذه الدول معها علاقات!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018