ارشيف من :أخبار لبنانية

نظام مبارك يشرع عقول المصريين للثقافة الصهيونية

نظام مبارك يشرع عقول المصريين للثقافة الصهيونية


لنحو ثلاثين عاماً ويزيدون.. ظل الجدار الثقافي بين مصر والتجمع الصهيوني صلباً.. إلى أن اخترقه اتفاق "نتنياهو- مبارك"، فقد عقد وزير الثقافة فاروق حسني صفقة مع العدو، يتم بمقتضاها إزالة كل العقبات أمامه لتولي منصب مدير اليونسكو؛ مقابل فتح أبواب التطبيع في الجوانب الثقافية.

مثَّل مشروع ترجمة الأدب العبري إلى العربية وجعله متاحاً في مكتبة الأسرة -التي تشرف عليها أجهزة الدولة- ذروة الاختراق؛ لمسخ الهوية بمفاهيم ثقافة السلام والحوار مع الآخر وتمازج الحضارات.

وبالطبع فإن التطبيع الثقافي كان حلماً للصهيونية، يكمل الجوانب الاقتصادية لاتفاقية "الكويز"؛ بإدخال المنتج الإسرائيلي في صناعة الملابس، أو الاتفاقات البترولية بتصدير الغاز بخسارة 9 مليون دولار شهرياً ضد المواطن البسيط. فمسخ الهوية الوطنية بأعمال المركز الأكاديمي الإسرائيلي، والبحوث المشتركة ودراسة الأدب المصري؛ اكتفى بدراسات الأصول العرقية والتباينات المذهبية في مصر، والوحدة المعرفية بين اليهودية والإسلام، ولكنه لم يتمكن من إبراز ما يسميه الوجه الحضاري الإنساني للثقافة الصهيونية.. إلى أن جاء الاتفاق الأخير؛ ليزيل العقبة الهامة التي وضعتها الحركة الوطنية ضد التعاون الثقافي مع الصهاينة.

فإذا كانت النشأة التعاقدية للعلاقات بين الطرفين -التي أقرتها معاهدة الصلح المنفرد عام 1979- قد أضفت عليها طابعاً إلزامياً في المجالات التطبيعية؛ فإن هذا الشق لم يكن متوافراً في مسألة الترجمة من الأدب العبري.. مما دفع الجماعة الثقافية المصرية إلى الوقوف بحزم أمام سائر المحاولات؛ لتمرير الأطروحات الثقافية الصهيونية، ولم تكن وزارة الثقافة قادرة على تمييع المواقف -لعدم الالتزام الإسرائيلي بالسلام- في جبهات فلسطين وسوريا ولبنان، فما الذي تغير إذن حتى تعدل الوزارة عن مواقفها؟؟

المتغير المحوري هو الرغبة في إبداء المزيد من التنازلات؛ لإبراز نية ما يدعونه بالسلام لإدارة أوباما، وتشجيع اليمين المتطرف في الدولة العبرية للقبول بحل الدولتين.

والحقيقة: أن السلام البارد الناقص -التي تدعيه النخبة الصهيونية مع مصر- ظل يراوح مكانه ليس بسبب هذه الجبهات.. ولكن لعدم شموليته البعد الثقافي، لأن السلام من وجهة نظرها مثقل بمعان رمزية و"أيديولوجية"، ومحقق للحلم الصهيوني والتطبيع الثقافي، إضافة لجسم من المنافع والتفاعلات المادية يكسب الدولة العبرية مشروعية التواجد في المنطقة، ويتقبل العرب الأساس الصهيوني للدولة.

إن القرار الأخير -بترجمة الأدب الصهيوني- يلغي العداءات المترسخة في الثقافة العربية التي تناولتها كافة الوسائل الإعلامية بقبول الآخر، ومحاولة الإقرار بالحقوق التاريخية للشعب اليهودي وقدراته على نشر السلام والحضارة ضد الإرهابيين الفلسطينيين والعرب، وإمكاناته في نقل المدنية الغربية، والإقلال من حدة التطرف الإسلامي..، وهذه الأمور والمغالطات سعت دائماً الدولة العبرية إلى ترويجها بعيداً عن كل حقائق عدوانيتها ضد الشعب العربي، وفي كل الأدبيات الصهيونية محاولات لغسل العقل "الجمعي العربي" الذي ترسخت في وجدانه همجية الدولة العبرية، ورغبتها في التوسع الاستيطاني ونفي العروبة.

إن الترجمة تجعل الصهيونية ليست مجرد سند المشروعية للقومية اليهودية -التي استردت أرضها بعد ألفي عام من الشتات- ولكنها صك ملكية أرض بلا شعب؛ للشعب الذي لم يكن له أرض لبناء الأمة اليهودية.

وفي حقيقة الأمر: فإن التزامن بين محاولة حزب "إسرائيل بيتنا" إقرار يهودية الدولة في الكنيست، ومشروع الترجمة يؤكد -بما لا يدع مجالاً للشك- التخطيط الاستراتيجي لتغيير المكون الثقافي المقاوم.. إلى أن تكون للدولة المغتصبة حقوقاً تاريخية وشرعية ومبرراً للتوسع؛ ليصبح العنف وحملات الإبادة ضد الشعب العربي.. منهجاً يتلاءم والرغبة في السلام ضد الإرهاب، ولكل ذلك تجد "الأيديولوجية الصهيونية" مسوغات لضم القدس عاصمة أبدية موحدة، ورفض عودة الأراضي المحتلة، والعبث بجغرافية المنطقة؛ لتكون الأرض التي مر عليها الأسباط الاثنا عشر والتاريخ العبري المفترض؛ لتعميق ثقافة السلام التي يدعو لها أوباما.

- وأخيراً.. فإن مشروع الترجمة يفضي إلى متغيرات في العقلية العربية؛ لتغيير النهج الجهادي المقاوم انطلاقاً من القاهرة.



صحيفة "الثبات - الكاتب: جورج المصري

2009-06-26